ولهذا بعض الناس إذا تلقى أمر من مديره ونحو ذلك يأتي ويدعو الناس من حوله: لدينا أمر حازم اليوم لا بد أن يطبق، ومن لم يطبق سيفعل فيه كذا وكذا، أين اللين والحكمة؟ ولكن ينبغي أن يقول ماذا؟ يقول: إن هذا الأمر أتانا وما رأيكم؟ كيف ترون وسيلة العمل به؟ ونحو ذلك، لا يقال: إنا سنفعل كذا، ونفرض العقوبة، المرة الأولى إنذار، الثانية إنذار، ثم بعد ذلك يكون إنزال عقوبة، هذا ليس من هدي النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه يحمل النفوس على التمرد؛ لأنه أطاعك خوفًا، فالطاعة خوفًا ليس كالطاعة حبًا ومودة، والطاعة للمودة هي التي تدعو الإنسان إلى الموافقة في السر والعلانية. إسماعيل إذا خالف أباه إبراهيم عليهما السلام، وقال: لا تذبحني، هل سيطيعه في ذلك؟ لن يطيعه في ذلك؛ لأن الأمر وحي، فمع كونه حتمًا إلا أنه لآن معه في توجيه الخطاب. وقوله عليه الصلاة والسلام: (بشرا ولا تنفرا، ويسرا ولا تعسرا) ، يسرا في العرض، والتدرج، ومعرفة أعذار الناس، والتماس العذر لهم، لماذا؟ حتى يقبلوا الحق؛ ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام استعمل الطريقين: الطريق الثاني، والطريق الثالث معهما، كما جاء في حديث أبي معبد عن عبد الله بن عباس أن النبي عليه الصلاة والسلام بعث معاذًا إلى اليمن، فقال: (إنك تأتي قومًا أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فإن هم أجابوك لذلك) ، أي: توطنوا على هذا الأمر، (فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن هم أجابوك إلى ذلك فأخبرهم) ، أي: على التدرج ثم جاء على أركان الإسلام؛ لهذا نقول: إن مسألة اليسر تأتي من جهة الدين الأصل، فكله يسر، وتأتي من جهة التدرج، كذلك أيضًا من معرفة أحوال المخاطبين؛ لهذا لا بد من توطين النفس على الخطاب.