وفي قول النبي عليه الصلاة والسلام: (أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق) إشارة إلى وجود المراتب التي عظمها الشارع، وأنه ينبغي للإنسان أن يقصد ما يقربه إلى الله سبحانه وتعالى، ويظهر هنا الفقه؛ لهذا يقول العلماء: النية تجارة العلماء، وهو الذي يربح بعمل قليل يفعله في زمن يسير ثوابًا جزيلًا عند الله؛ ولهذا الأعمال ليست بالنصب، فقد ينصب الإنسان في عمل ليله ونهاره، وغيره يعمل عملًا يسيرًا لكنه يثاب في ذلك أعظم، وذلك بحسب النظر إلى الأمرين: النظر إلى تقدير الشارع لذات العمل، وكذلك النظر لعمل الإنسان في ذاته بحضور القلب وقول اللسان وعمل الجوارح. لهذا النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيح من حديث عبد الله بن عباس في قصة جويرية لما خرج النبي عليه الصلاة والسلام لصلاة الفجر ورجع بعد ارتفاع الشمس وهي جالسة في مصلاها قال: (أما إني قلت أربع كلمات ثلاث مرات، لو وزنت فيما قلت لوزنتهن) ، وهي جلست ساعات؛ ومع ذلك جعل ذلك القول أعظم منها؛ لأن هذا مرده إلى تعظيم الشارع له، والنبي عليه الصلاة والسلام اكتمل فيه حضور القلب وقول اللسان وكذلك عمل الجوارح، وكذلك أيضًا المرجو في حال جويرية أم المؤمنين، ولكن لما غاب عنها معرفة تقدير الشارع وقع حينئذٍ التباين. لهذا العالم الفقيه هو الذي يعرف المواضع التي تنجيه والتي تقربه إلى الله أعظم، كحال التاجر الذي يعرف مواضع التجارة هنا يربح ضعفها وهنا لا، وهنا أكثر وهنا أدنى؛ ولهذا يقال إن العلماء يسبقون العامة بمعرفتهم بمواضع العبادة التي يتقربون بها إلى الله عز وجل أكثر.