فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 189

تقدم معنا أن المحبة إما مكتسبة وإما فطرية، فالمحبة الفطرية مما يغلب على الإنسان عدم المؤاخذة عليها، وكذلك الكره الفطري، وأما الكره المكتسب فهو الذي يحاسب عليه الإنسان، فالإنسان يجبل على أشياء من المحبة ومن الكراهة فلا يعاقبه الله جل وعلا عليهما؛ ولهذا يذكر النبي صلى الله عليه وسلم بعض التشريعات ويضيف الكراهة إليها، كما في قوله عليه الصلاة والسلام وهو في الصحيح: (وإسباغ الوضوء على المكاره) ، كأن يتوضأ الإنسان في حال برد ونحو ذلك، فهذا الفعل يفعله الإنسان وهو كاره؛ لشدة برودة الماء وميل الجسم إلى الدفء، فحين يضيف الماء على جسده وهو كاره فهذا أعظم أجرًا عند الله، وإثبات الكره هنا لا ينافي الإيمان، ولكن الكره الفطري إذا دفع الإنسان عن الإقدام على عمل يغضب الله، أو الإحجام عن شيء أمر الله عز وجل بعدم الإحجام عنه فإن هذا مما يحاسب الله جل وعلا عليه عبده؛ لهذا قال الله سبحانه وتعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ [البقرة:216] ، أي: أن الإنسان يكره أن يقتل، أو يفقد ماله، أو يفقد أهله ونحو ذلك، وكل هذا كره فطري، ولكن ما منعه هذا من الخروج إلى الجهاد والذب عن دين الله سبحانه وتعالى، كذلك أيضًا حين يقوم الإنسان بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يقع الناس في عرضه فيذهب وهو كاره، وهذا الكره هو أمر فطري لكن لا يحجزه عن القول وكذلك العمل. وإنما ذكر (أن يقذف في النار) ؛ لأن جزاء الكافر هو دخول النار، ودخول نار الآخرة أعظم من دخول نار الدنيا؛ وذلك أن الإنسان إذا وعد بعقاب فإنه يقدم العقاب الأدنى خوفًا من العقاب الأعلى، وخوف الإنسان أن يقذف في نار الدنيا، وأن يحب دخولها نار الدنيا قبل أن يقع في الكفر وهذا أمارة إيمان، فإذا كان هذا في أمر الدنيا فإنه يكون كذلك في أمر الآخرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت