وأما الفرار بالبدن فينبغي للإنسان أن يبتعد ببدنه عن مخالطة الناس حتى يبتعد، والثانية لازمة للأولى، فإذا انصرف الإنسان ببدنه فإنه لا يخالط الناس ببصره وسمعه إلا في زمننا، فالإنسان ربما يبتعد مثلًا عن بلد ويكون بينه وبينها آلاف الكيلومترات لكنها موجودة في القنوات الفضائية؛ ولهذا ربما تجد في البر أعرابيًا في خيمة -وهو بيت شعر- ولديه الدش يأتي بأخبار الشرق والغرب، هذا جلب الفتنة إليه، هل فر بدينه؟ هذا فر بجسده، وأما نفسه فهي في الفتن، أو كان الإنسان مثلًا ممن يقرأ في مدونات أهل الضلال والزيف وفي شبههم ولو كان في أرض قفر، فهذا قد وقع في الفتنه ولو انفرد بجسده، فمسألة الفرار من الفتن التي ذكرها النبي عليه الصلاة والسلام إنما صلاحيتها في ذلك الزمن، أما في زماننا هذا فالأسلم له الفرار بسمعه وبصره؛ لأن الفتن تتبع الإنسان أينما حل وأينما ذهب، فإذا لم يملك الإنسان نفسه فإنه يقع فيما يخشى منه لزومًا؛ ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتتبع بها شعف الجبال ومواطن القطر) ، وإنما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم (غنم يتبع بها شعف الجبال) ، لأنه يستحيل عند ذلك ممارسة التجارة، وإنما الإنسان منفرد، وأمر التجارة والمضاربة في الأسواق إنما يكون مع الاحتكاك بالناس، والغنم هي التي ينفرد بها الإنسان ويتقوت منها، ويدخل في ذلك غيرها وإنما ذكر الغنم على سبيل المثال، أو لأن ذلك هو الأمر السائد، أو الأمر الذي يدركه كل أحد من تلك البهائم، وقد يقال: إن هذا أيضًا تفضيل لها فقد جاء في حديث أم هانيء أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (عليكم بالغنم فإنها بركة) ، وهو في المسند.