وقول عائشة عليها رضوان الله تعالى: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمرهم، أمرهم من الأعمال بما يطيقون) ، فيه رحمة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخلق فهو بهم رءوف رحيم، وكذلك أيضًا فإن هذه الشريعة سمحة لهذه الأمة؛ ولهذا جاء في المسند وغيره وأصله في الصحيح عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن عبد الله بن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنما بعثت بحنيفية سمحة) ، والمراد بذلك هو اليسر، أي: أن الإنسان يطيق الإتيان بها، والشريعة إنما نزلت بما يطيقه مجموع البشر لا ما يطيقه الأفراد؛ ولهذا لا عبرة بقوة أفراد معينين، لأن التشريع لا يختص بهم بل يتعدى إلى غيرهم، فإذا جاء أحد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرادوا أن يأتوا بالعبادة لأن التشريع ما نزل لهم التشريع نزل للأمة كلها؛ ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام ربما تخفى ببعض العبادة خشية أن تفرض على الخلق، كما تخفى بعبادة قيام الليل ابتداء خشية أن تفرض عليهم؛ لأنه يطيق بذاته وهم لا يطيقون، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم راجع ربه في فرض الصلاة من خمسين حتى أصبحت خمسًا رحمة بالأمة، وإن كان يطيق لذلك، فهي قرة عينه. وفي هذا إشارة إلى أهمية رأفة الآمر والمسئول والقائم بأمر الله ولطفه ورحمته بالخلق، وتكليفهم بما يطيقون، وكذلك إيصال الخطاب إليهم باللين من غير قسوة مهما كان الخطاب قويًا وكان الإنسان أيضًا على يقين.