ويدل على ذلك أيضًا ما جاء في الصحيح في حديث حكيم بن حزام لما دخل في الإسلام، وجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (يا رسول الله، إني كنت أتحنث وأتعبد في الجاهلية فهل لي في ذلك من أجر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أسلمت على ما أسلفت من خير) ، أي: أن الله عز وجل يتقبل من الإنسان عمله السابق ولو عمله في حال شركه إذا دخل في الإسلام، وأخلص النية بعد ذلك، فعمل حكيم بن حزام أصبح معلقًا حتى يصح عمل الباطل، فلما صح عمل الباطل تبع عمل الظاهر عمل الباطن، وأما بالنسبة لعمل الباطن فإنه لا يتعلق حتى يصح عمل الظاهر؛ وذلك أن الظاهر يتبع الباطن، والباطن لا يتبع الظاهر على الدوام، وإن كان بينهما تلازم. قوله: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان) تقدمت الإشارة إلى هذا، والكره الذي يجده الإنسان في قلبه للعمل، وكذلك المحبة في الغالب هي التي يدور عليها تعظيم العمل، وهو على جهتين تقدمت الإشارة إليهما، والإنسان يصح منه العمل ولو كرهه في قلبه، وكذلك أيضًا يقبل منه الترك فيما أمر الله عز وجل بتركه ولو أحب العمل؛ ولهذا جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (إني أريد أن أسلم، فقال: أسلم، قال: وأنا كاره؟ قال: أسلم، وإن كنت كارهًا) ، يعني: أن الإنسان ربما يرغب في قبول الحق كاليهودي، أو الوثني، أو النصراني، أو البوذي، أو الملحد، ويريد أن يدخل في الإسلام فيقول: ولكني منقبض من هذه الشريعة، فقل: ادخل ولو كنت منقبضًا، فإنك على الحق. وهذا الانقباض هو شيء من بقايا الفطرة المنقلبة، وهذه الفطرة المنقلبة تجعل الإنسان لا يتقبل الحق حتى يتوطن عليه.