وفي قوله: (من الإيمان) ، أي: أن الإنسان يثاب على هذا الكره القلبي ولو لم يتلبس بشيء؛ لأن هذا ينعقد عليه عمل القلب، وعمل القلب يثاب عليه الإنسان مجردًا ولو لم يتلبس بشيء من القول والعمل؛ وذلك أن الإيمان قول وعمل في القلب، وقول اللسان، وعمل الجوارح، وإذا وجد العمل في أحد هذه الأشياء يؤجر الإنسان على ذلك، وعمل القلب لا يلزم منه عمل الجوارح، وعمل الجوارح يلزم منه عمل القلب، والإنسان إذا توطنت جوارحه على عمل الحق بعد طول مراس، فيثاب على عمل الظاهر ولو لم يصاحبه باطن، شريطة ألا يوجد باطن ينافي ذلك الظاهر، وهذا مثاله: أن الإنسان ربما يلهم التسبيح ويكثر من التسبيح والتهليل والاستغفار في قيامه وقعوده، وربما يراه الناس يسبح وهو لا يشعر، وذلك لكثرة تسبيحه، فيثاب على عمله ولو لم تصاحبه نية؛ لأن هذه المرحلة ما وصلت إلا بعد طول مراس وقوة إخلاص، ومداومة على هذا؛ ولهذا أظهر الله جل وعلا منته على أهل الجنة بأنهم يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس، وإظهار المنة في ذلك إشارة إلى التعبد ومدح تلك الحال، وإنما نشترط: عدم وجود المنافي؛ لأن عمل القلب أقوى من عمل الجوارح، فهو يلغيها. وأما عمل الجوارح فلا يلغي عمل القلب، بل إن السيئة ربما تقع من الإنسان وتنقلب حسنة لعمل القلب؛ وذلك أن الإنسان ربما يتعبد لله جل وعلا بعمل لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو في دائرة البدعة، لكنه إذا لم يقصر في تمحيص تلك البدعة، التي هي في ذاتها مخالفة ومعصية، ولكن صاحبها عمل خالص في قلبه، وإخلاص لله جل وعلا انقلب ذلك أجرًا، وهذا ظاهر في قول الله سبحانه وتعالى: لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ [آل عمران:195] ، وهذا فيه إشارة إلى أن الله عز وجل لا يضيع عمل العاملين.