والمراد بذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم شدد الوعيد على من كان على باطل، ثم بعد أن عرف الباطل انتقل إلى الحق، ثم أراد أن يرجع إلى الباطل الذي كان عليه، فإن عقابه في ذلك أعظم، وهذه في الغالب أنها لا تكون إلا لمن في قلبه جذوة من النفاق؛ ولهذا ذكر الله سبحانه وتعالى حال أولئك فقال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا [النساء:137] ، أي: أن تقلب الإنسان بين الحق والباطل والكفر والإيمان لا يكون إلا من منافق، وهذا متوعد بالعقوبة الشديدة التي تختلف عن غيره، وهذا يرجعنا إلى أصله، وهو أنه كلما قامت الحجة على الإنسان واتضحت كان العقاب عليه أشر، وإذا ضعفت الحجة كان العقاب عليه أقل، وهذا ربما يكون مقتضى قول الله جل وعلا: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15] ، والمراد بذلك أن العذاب يلحق الإنسان بقدر وضوح الحجة وبيانها وخلوصها لديه، ويعظم هذا الأمر في الإنسان إذا عرف الشيء بضده. وتقدمت الإشارة معنا إلى أن حقائق الأشياء تعرف بجهتين: الجهة الأولى: بمعرفتها بذاتها، الجهة الثانية: بمعرفة ضدها، وأكمل هذه الوجوه أن يعرف الإنسان الجهتين، وأما إذا عرف جهة وقصر في الجهة المقابلة، فقد أصبح علمه قاصرًا بحسب جهله بأجزاء ما يقابل ذلك العلم، وهذا في سائر العلوم سواء ما كان من العلوم الشرعية وغير الشرعية، أو ما كان من العلوم المحسوسة وأيضًا من غير المحسوسة.