أما النوع الثاني: وهو حق الآدميين فيما بينهم، وهذا يكون بعد الخروج من النار، فيقتصون حقوقًا كانت بينهم، والدليل على ذلك ما جاء في الصحيح من حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يخرج أهل النار من النار فيوقفون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتصون حقوقًا كانت بينهم) ، يعني: أن القصاص يكون بعد الخروج من النار؛ لهذا نستطيع أن نقول: إن الحقوق التي كانت بين بني آدم أهلها على نوعين: أهل جنة مع أهل جنة، وهذا يكون قبل الفصل، وأهل جنة مع أهل نار وهذا يكون قبل الفصل، وأما أهل النار مع أهل النار فيكون بعد الخروج من النار، فأهل النار الذين كتب الله لهم الجنة، يتقاضون الحقوق والخصومات التي كانت بينهم على قنطرة بين الجنة والنار؛ وذلك لأن هذه الحقوق ترفعهم منزلة في الجنة، أو تنزلهم منزلة من الجنة، وأما أهل الجنة فيقتصون قبل دخولهم الجنة، وقبل الفصل، وأما أهل الجنة مع حقهم الذي على أهل النار فيقتصون قبل دخولهم للنار؛ لأنهم يرتفعون في ذلك منزلة من الجنة، وينزل أولئك منزلة في النار، فينبغي ضبط هذه المراتب. والله سبحانه وتعالى حينما بين دخول بين والنبي عليه الصلاة والسلام حينما بين دخول أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، بين أن الله سبحانه وتعالى يخرج طائفة من النار ممن في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، وهذا فيه جملة من المسائل: منها أن الله عز وجل يعذب بعض أهل الإسلام وهم قلة في النار ممن لم يغفر الله عز وجل لهم ذنوبهم، وهذا لحكمة أرداها الله سبحانه وتعالى، وأن من كتب عليه النار من أهل الإيمان فإنه لا يخلده فيها، وإنما يجعله في النار إلى أمد، وليس إلى الأبد، والخردلة قيل: هي الذرة، وقيل: هي حبة الحنطة، أو الشعير، أو الدقيق.