وكذلك فإن النبي عليه الصلاة والسلام إنما أول الرؤيا لمعرفته بالمرئي، وأما إذا كان لا يُعرف المرئي فالغالب أن الرؤيا لا تحمل على وجه إلا بعد المعرفة، وقد جاء في مسند الإمام أحمد: (أن النبي عليه الصلاة والسلام إذا سُئل عن رؤيا، وكان يعرف الرائي عبرها، وإذا كان لا يعرفه سأل عنه) ؛ لأن معرفته لها أثر بضبط الرؤيا، وهذا ما يقصر فيه كثير من الناس؛ ولهذا تجد من يعبر الرؤيا عبر الهواتف، وفي الصحف والمجلات، أو عبر وسائل الإعلام، لا يدري من السائل، رجل أو امرأة، كبير أو صغير، مؤمن أو كافر، فاسق أو صالح، أو غير ذلك، وينزلها عليهم، وهذا من الخطأ، فإذا كان العلم الشرعي التام وهو الوحي، لا ينزل على كل أحد، فالله سبحانه وتعالى أنزل الشرائع فمنها ما ينزل على قوم، ولا ينزل على قوم آخرين، لوجود بعض الموانع، وعدم وجود الموجب لها، وعدم توفر الأسباب، وعدم توفر مجموع الشروط، فقد ينزل الحكم على قوم قاصرًا، وليس بقاصر على قوم آخرين، فإذا كانت الرؤيا جزءًا من ثلاثين جزءًا من النبوة، فإنه يلزم من ذلك أن يقتدي هذا الجزء بالأصل، وهو النبوة والعلم الشرعي والوحي؛ ولهذا فإن الذي ينزل الرؤيا على كل راءٍ ولا يعلم حاله، هذا كالذي يفتي ولا يعلم حال السائل؛ لهذا ينبغي له أن يسأل عن حاله؛ فالنبي عليه الصلاة والسلام بين الرؤيا لعمر وما بين غيره، ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إني رأيت الناس) ، وهؤلاء الناس ما ذكرهم النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما ذكر عمر بن الخطاب، وفيه بشرى؛ ولهذا قال الله جل وعلا: لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [يونس:64] ، وجاء في الخبر: (هي الرؤيا يراها الرجل أو تُرى له) .