وفى الهجاء بالكفر أيضا
يقول كعب بن مالك (1) [من الوافر] يذكر إجلاء بنى النضير وقتل كعب بن الأشرف:
يبيِّن كعبٌ في هذه الأبيات جزاء من يتَّبع النبي - صلى الله عليه وسلم - وعاقبة من يكفر، ويبين عاقبة هؤلاء اليهود لما تمادَوا في كفرهم وغدرهم، وقد صوَّر كعب امتلاء هؤلاء اليهود بالغدر والكفر بالاستعارة في قوله"أُشرِبوا"فقد شبَّه قلوبهم - وقد امتلأت بالحقد والغدر الناتج عن توالى تكذيبهم بالنبى - صلى الله عليه وسلم - والمكرله - بمن يُسقَى شرابًا، على سبيل الاستعارة المكنية، ومعلومٌ أنَّ المقصود بأُشربوا غدرًا وكفرًا أنَّ قلوبهم مُلئَت غدرًا وكفرًا؛ لأنَّ القلوب هى، موطن هذه الصفات المعنوية؛ ولذلك كنَّى عنها كثير من الشعراء"بمجامع الأضغان"يقول عمرو بن معد يكرب (2)
ونظم البيت عند كعب يحمل الكثير من الظلال والإيحاءات التى تكمِّل الصورة فبناء الفعل للمجهول"أُشربوا"فيه إيحاء بالتكلُّف في مخالفة الحقِّ، كما أن فيه إيحاءً بسلب الإرادة كما أنَّ عدم تحديد الفاعل يدلُّ على كثرة موارد الحقد والكفر وانظر إلى روعة المجاز العقلى في إسناد الفعل حاد إلى"النفور"مع أنَّه ليس الفاعل الحقيقي وإنما هو سبب والفاعل الحقيقيُّ هو الإنسان، وفى إسناد الفعل إلى النفور دلالة على سلب إرادتهم، حيث يدفعهم النفور دونما وعى إلى أن يحيدوا عن الجادة وتتمثل بلاغة المجاز العقلى في أنه"يشيد بقوة الملابسات" (3) وهذا يدل على قوَّة تأثير السبب فيهم وسيطرته عليهم وفى هذا المجاز وأشباهه تتحقَّق"المبالغة في تدخُّل المسند إليه المجازى في تحقُّق المسند وتخيُّل أن الفعل واقع من غير فاعله وفى هذا متعة وتحقيق للغرض" (4)
(1) ديوانه ص 203 قصيدة رقم (20)