وقد اعتاد كعب تصوير خبرة قومه في الحروب بمثل هذه الكناية بحيث يجعلهم أبناء للحرب أو إخوة لها يقول كعب (1)
وفى موضع آخر يقول (2)
"وكعب إذا أعجب بطرافة معنى من المعانى كرَّره أكثر من مرة" (3) واختيار كعب الفعل"نصبِّحكم"يدلُّ على فقهه وفهمه وتدبُّره لآيات القرآن الكريم فألمح هنا اقتباسًا من قوله تعالى:
وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ (38)
وفى اختيار وقت الصباح في البيت أكثر من إيحاء فلعلَّه أراد أنَّهم يحقِّقُون المفاجأة لأعدائهم حين يهجمون عليهم مبكرين، ولا يزال أعداؤهم نيامًا كسالى، كما يوحى أيضا بتشبيه المؤمنين بالملائكة التى توزِّع الأرزاق بأمر ربها في البكور، وفى هذه الحالة يكون قوله"نصبحكم بكل أخى حروب"استعارة تمثيلية تهكمية فكأن هؤلاء الأبطال الشجعان بما يحملون من موتٍ لأعدائهم رزق مُساق لهؤلاء الكفرة.
وكذلك لو كان غرضُه أن يشبِّههم بما يحملون من كؤوس المنايا بمن يصبحهم بكؤوس خمرٍ ثم ينتقل إلى تصوير قوة هذه الخيل فيبدأ بقوله"سلس القياد"وهى كناية عن صفة النَّجابة والأصل, وتعودها الانطلاق بالفرسان إلى الحروب، ثم يشبه الحركة الخفيفة لهذه الخيل النَّجيبة بحركة صفراء الجراد الخفيفة في قوله"تذفُّ ذفيف صفراء الجراد""والتشبيه صوره من صور التشبيه البليغ الاصطلاحية" (5) ، حيث حذف المشبه"المفعول المطلق - (ذفيفًا) والآداة (الكاف) ووجه الشبه والتقدير"تذفُّ ذفيفًا كذفيف صفراء الجراد في السرعة، ومما لا شك فيه أنَّ الحذف أبلغ؛ لأنَّ فيه إيجازًا، ولأنَّ ذكر الآداة والمشبَّه والوجه تطويل بغير داعٍ.
(1) ديوانه ص 256 قصيدة (50) . (2) ديوانه ص 228 قصيدة (33) .
(3) ديوانة ص 140. ... (4) سورة القمر آية (38) .