ومن تمام الصورة أن جعل الشَّبه متعلقا بهيئة ظلِّ العقاب، لا هيئة العقاب نفسه لتتم له الصورة التى أرادها، لأنَّه لو علَّق الشَّبه بهيئة العقاب أثناء انقضاضه، لجاء تصويرُه لهيئة السنان فقط غير متصل بالقناة, لكنَّه لمَّا أراد أن يصوِّر هيئَة السِّنان متصلًا بالقناة علَّق الشَّبه بهيئة ظلِّ العقاب، وذلك؛ لأنَّ ظلَّ الشئ يكون طويلًا ممتدًا عن طوله الحقيقى في أكثر أوقات النهار عندما تكون الشمس مائلةً عن كبد السماء وبذلك يتحقق الشَّبه تمامًا بين الهيئتين.
وهكذا يصنع الخيال الخِصب في إثراء الصورة فالصُّورة"نتاج لفاعلية الخيال، وفاعلية الخيال لا تعنى نقل العالم أو نسخه، وإنما تعنى إعادة التشكيل، واكتشاف العلاقات الكامنة بين الظواهر، والجمع بين العناصر المتضادَّة أو المتباعدة في وحدة" (1) وما أرى هذه الكلمات للدكتور جابر عصفور إلا ترديدًا وصياغة جديدة لفكر الإمام عبد القاهر الجرجانى فقد أشار رحمه الله إلى هذه الوظيفة التى يقوم بها الخيال في إثراء الصورة وذلك عندما تحدَّث عن تصوير الشبه بين المختلفين في الجنس"وذلك أن موضع الاستحسان ... والمؤلف لأطراف البهجة = أنك ترى بها الشيئين مثلين متباينين ومؤتلفين مختلفين، وترى الصورة الواحدة في السماء والأرض، وفى خلقة الإنسان وخِلالِ الروض" (2)
وأرى أنَّ ظلَّ اللواء يقصد به كعب حامل اللواء وهى كناية عن موصوف وهى أبلغ من التصريح؛ لأنَّها اكد في إثبات ملازمة حامل اللواء له لأنَّه لو سقط أو انهزم لانهزم الجيش، ثم انظر إلى تصوير الحركة في هذا التشبيه البديع فحركة هذا الرمح - في خيال كعب حركة واعية وكأنه يعرف هدفه؛ ولذلك عبر عنها بقوله"يأوى"والتى توحى بالحركة الواعية المقصودة كما أنَّ حرف الجر إلى يعطى نفس الإيحاء لأنه يدل على"انتهاء الغاية" (1)
(1) الصورة الفنية في التراث النقدى والبلاغى ص 373 د/ جابر عصفور.