شبَّههم كعب بالسحاب الذى خفَّ وزنه بما أسقطته الرياح من مائه، وهو شبهٌ دقيق، ومعنىً عميق غاص إليه كعب، فقد لاحظ كعب شبها لحالة فرارهم - بسرعةٍ في خوفٍ وتخبُّطٍ متفرقين في أنحاء شتى - في السحاب الذى تفكَّكت أوصالُه وخفَّ وزنه بسبب إسقاط الريح للكثير من مائه فيكون في الجو متفرقًا سريعًا تتقاذفه الريح وتهوى به , ... وكذلك حال المشبه (المشركين)
فكأنَّهم لما حصد المسلمون منهم بعض رجالهم, تفكَّكت أواصرهم وفرُّوا ناجين بأنفسهم شعارهم (انج سعد فقد هلك سُعَيد) خفافًا خائفين بعد أن خفَّت أحمالهم بما تركوا من أمتعة في ميدان المعركة.
"وأمثال هذا التشبيه"ينضوى تحت لوائها كثيرٌ من بليغ الكلام الذى يستولى على النَّفْس ويملأُ القلب سحرًا وفتنةً وإمتاعًا، وذلك أنَّه لا ينتقل من المشبَّه إلى المشبَّه به إلا بعد فكرٍ وتلبُّث" (1) "
وقد فصل كعب بين الموصوف (جهام) والصفة (مقلع) بالجملة الفعلية (هراقت ماءه الريح) ؛ لأنَّ الصفة (مقلع) مسبَّبَةٌ وناتجةٌ عن مضمون الجملة الفعلية, فأخَّر المسبَّب عن السَّبب، كما أنًَّه استخدم الهاء دون الهمزة في الفعل (هراقت) ؛ لأنَّ صوت الهاء مناسبٌ لمعنى السرعة والخفَّة في البيت
كما أنَّ إسمية الحالين"سراعًا موجفين"تدلُّ على دوامهما وثبوتهما، وهما متمِّمتان لصورة الفزع خاصَّةً أن الأولى جاءت بلفظها في مشهدٍ مهيبٍ من مشاهد يوم القيامة وهو مشهد خروج الناس من قبورهم قال تعالى:
والثانية جاءت مفردة أيضا في مشهد من مشاهد يوم القيامة قال تعالى""
ويُلاحظ أن الشاعر في البيت نسب الحال"موجفين"إليهم كليةً لا إلى قلوبهم فقط، إشارةً إلى شدة الفزع والخوف، بينما نجد الآية تنسب الحال إلى القلب فقط"قلوب يومئذ"