ثمَّ يأتى بالاستعارة التى يصوِّر فيها الحرب بالناقة التى لقِحت على سبيل الاستعارة المكنية، وما أشبه الحرب بالناقة من الجهة التى قصدها الشاعر فإنَّها بمجرد أن تبدأ فلا يستطيع أحد أن يوقفها كالنَّاقة إذا لقحت فإنَّها لا تلبث أن تمر بمراحلها حتى تنتج، وألمح التهديد أيضا في هذه الاستعارة فهو يقصد أنَّهم قوم لا يُستبَاح جانبهم فأى شئٍ يمسُّهم ولو كان يسيرًا فإنَّه يؤدى حتمًا إلى حربٍ طاحنةٍ، ثم يُتبِع الشاعر الاستعارة بالفعل الأمر"اقتعدوا"بصيغة الافتعال، فالأمر يدل على الاستعلاء الذى يسيطر على الأبيات، وصيغة الافتعال تدل على المغالبة والمدافعة وكأنَّه يريد أن يقول لهم غالبوا أنفسكم ولا تتَّبعوا هواها، وذلك؛ لأنَّ القعود عن الأخذ بالثأر ثقيلٌ على نفوسهم، ثم يفصل بين شطرى البيت لشبه كما الاتصال، ثمَّ يكنِّى عن ملازمة الحروب وأهوالها بالأخوة كنايةً عن نسبة، ثم يكنِّى عن إيذائها وتأثيرها بالضَّرر فيمن يلازمها ويسعى إليها بقوله"أصدى اللون مشعول". وهى أيضا تدلُّ على التهديد.
وفى البيت الثانى تتصاعد لهجة التهديد والاستعلاء وتصبح أكثر تصريحًا عن البيت السابق، فيبدأ بالتوكيد بإنَّ على ما سيلقيه من كلام وذلك؛ لأنَّ ما سيخبرهم به أمرٌ مستبعدٌ بسبب كبرهم، وعنادهم إذ كيف يُهزمون مرةً ثانيةً من المسلمين، ثم يؤكِّد المعنى ويقرِّره بتقديم الجار والمجرور (لكم) على اسم إنَّ تأكيدًا لمضمون الجملة فكأنَّ آداة التوكيد وخبرها المقدم سوط عذاب يفيئون به إلى الحقيقة.
ثمَّ يفاجئهم بمشهدٍ بشع تجزع وتنخلع له القلوب، فذكر الموت في حد ذاته أمرٌ مخيفٌ تحيد عنه النفس وتكرهه لما فيه من انقطاع عن الحياة وفساد للجسد , فما بالنا بمن يتخيل نفسه، وقد أصبح مرعى للضباع يقطِّعون أوصاله ويأكلون عظامه فضلا عن لحمه، وهذه المعانى التى تتعالى بلهجة التَّهديد حملتها الكناية في قوله"تراح لها عرج الضباع له خذمٌ رعابيل"فهى كناية عن كثرة القتلى وتنأثر لحومهم فتفرح السباع العرجاء لأنَّها وجدت طعامًا سهلًا لا يحتاج إلى قوةٍ ومهارةٍ في الحصول عليه، ... ثَّم تصاعد بلهجة الفخر المشوب بالتهديد عندما صدَّر البيت الثالث بالضمير"نا"مسبوقًا بأداة التوكيد"إنا", ثمَّ أتبعه بكناية عن الشجاعة والخبرة والتمرُّس بالحرب، والعلم بها لطول الممارسة والملازمة في قوله"إنَّا بنو الحرب"وهى كناية عن نسبة الخبرة