فهرس الكتاب

الصفحة 159 من 296

فكأنَّه لماّ فقد الأنيس جرَّد من نفسه مخاطبًا لعلَّه يشعر بالأنس في هذه الوحدة.

(1) البديع في البديع لأسامة بن منقذ ص 209 ت عبدا على مهنا ط دار الكتب العلمية بيروت ط أولى 1407 هـ /1987 م.

ثمَّ انتقل في البيت الثانى لبيان سبب هذه الدموع الغزيرة والسبب ليلةٌ عصيبةٌ تجمَّعت فيها عليه الهموم والأحزان، وقد بدأ البيت بفى الظرفية"فى ليلة"وكأنَّه غارقٌ في هذه الليلة، ثم يبيِّن ثِقل هذه الليلة باستخدام لحرف الجر"على"، وهذا الحرف مع دلالته على الفوقية والثقل فإنَّ له إيحاءً بمزيدٍ من الثِّقل والذى يوحى به إدغام ياء المتكلم في ياء الحرف"علىَّ", كما أن تقديمه"الجار والمجرور على المسند إليه يدل على وحدته في استقبال الهموم، ويُلاحَظ أنَّه بدأ الأبيات بصيغة الخطاب ثم التفت إلى التكلم، ولعلَّ مقصده بالابتداء بالخطاب أن يلمِّح أنَّ من شأن هذه التجربة التى يعيشها أنْ تكون شأنًا عامًا لجميع المؤمنين الذين أُصيبوا بهذه المصيبة ثمَ عاد إلى التكلم لينقل إلينا تجربته الفردية التى عاناها."

ثمَّ يصوِّر أرقه وألمه في البيتين الثالث والرابع، ففى البيت الثالث يشبِّه حالة الأرق التى انتابته بسبب حزنه - فصار ينظر إلى السماء - بمن هو موكَّلٌ برعاية النجوم حتى تغيب، ولمَّا كان المؤرَّق غالبًا ما يترك فراشه وينهض إلى الخلاء ولما كانت الطبيعة السماوية بما فيها من مصابيحَ زاهرةٍ، هى أول ما يلفت الأنظار، ويأسر الألباب، وتسحب الفكر إلى التأمُّل فيها والانشغال بعض الشئ عن همومه وأحزانه، فقد شبَّه أرقه ونظره إلى نجوم السماء بصفةٍ دائمةٍ طوال الليل بمن هو موكَّلٌ برعاية شئٍ بجامع دوام المتابعة والمراقبة , وقد دلَّل على استغراق الأرق الليل كلَّه بقوله

"فبتُّ"بمعنى أنه استغرق الليل كلَّه يرعى النجوم، كما دل على هذا المعنى أيضا التعبير بالفعلين المضارعين"أحن، وأتململ"فهما يدلان على التجدد والحدوث، وتقديم الجار والمجرور وما عُطف عليه"ببنات نعش والسماك موكل"للتَّخصيص، بمعنى أنَّ نظره لا يتعدَّى هذه النجوم إلى غيرها وهذا يناسب المحزون المكروب" (1) ثمَّ يأتى التشبيه في البيت الرَّابع ليؤكِّد معنى الأرق"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت