(4) أثر الإسلام في بناء القصيدة العربية صـ 87.
وقد جاء بالرسالة الهادية التابعة له والتى تظهر في سلوكه وأقواله وحركاته وسكناته فهى تابعةٌ له، ثم يبرهن على ذلك بالبيت الثانى وذلك في قوله"الحق منطقه والعدل سيرته"ففى الجملتين تقديم وتأخير، وأصلهما"منطقه الحق"،"سيرته العدل"ولكنه قدم المصدر للتوكيد وإظهارا لصفات النبى - صلى الله عليه وسلم - فالتعبير بالمصدر يدل على تمام الصفة، وقد أكَّد نور الرسالة بوصف في معناه، حيث إن من معانى النور الإضاءة، وهو احتراسٌ جميلٌ ليدلَّ على تمام نور الرسالة وكمالها؛ لأنَّ النور قد يكون خافتًا إذا كان مصدره ضعيفا.
وفي البيت الثالث نراه يصوِّر شجاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - عن طريق الكناية في قوله"حين القلوب على رجف من الرعب"وهى كناية عن شدة الحرب وضراوتها، وقد أثبت قبلها للنبى - صلى الله عليه وسلم - إقداما وهمَّة فكونه - صلى الله عليه وسلم - مقداما هماما في هذا الموقف العصيب دلالة على شجاعته - صلى الله عليه وسلم -، وفى البيت الرابع يؤكِّد صفة الشجاعة التى وصف بها النبى - صلى الله عليه وسلم - في البيت الثالث بصورة تشبيهيةٍ بديعة، حيث يشبِّه النبى - صلى الله عليه وسلم - في عدم تخلفه عن الغزوات وهدايته لأصحابه في هذه المواقف العصبية، وتبديد جموع أعدائه، بالبدر لا يتخلف عن موعده أبدًا ولا عن وظيفته، فهو يسير بنظامٍ دقيق قدَّره رب العالمين وهو دائمًا يظهر فيكشف الظلمات ويهدى السائرين. وهذا التشبيه من إبداعات كعب فلم أجده عند غيره، وقد استخدم الأداة"كأن"؛ لتأكيد التشبيه.
واحتراس كعب بقوله"عن غير معصيةٍ"احتراسٌ رائعٌ حتى لا يُظنَّ أنَّ دفع النبى - صلى الله عليه وسلم - وحثَّه إياهم على القتال بسبب إباءٍ أو جبن منهم.
وقوله في البيت الأخير"بدا لنا"مناسبٌ لتشبيهه النبى - صلى الله عليه وسلم - بالبدر، كما أنه يدلُّ على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد تحلّى بصفات النبوَّة حتى قبل بعثته ثم ظهرت ببعثته وذلك؛ لأنَّ الفعل بدا يعنى"أن شيئا كان مستترا تحت شئ ثم ظهر" (1)