ولاحظ تعليق كعب رؤية القتل مدحًا على اسلوب الشرط"إن أصاب شهادةً"ثمَّ انظر إلى ما توحى به كلمة أصاب من القصد والحرص والوعى، ثم انظر إلى بلاغة تقديم لفظ الجلالة مع حرف الجر كيف أفادكون الشهادة من الله"أى شهادة من الله له بالجنة", وفى الوقت نفسه أفاد التَّقديمُ القصرَ أى أنه يرجو الثواب من الله لا من الناس، وهذا من كمال الإخلاص , وأحسب أن إيثارة اسم"أحمد"دون"محمد"عند حديثه عن الفوز بالرسول - صلى الله عليه وسلم - مع أن اسم محمد - صلى الله عليه وسلم - هو الشائع عندنا- نحن المسلمين - أرى في إيثاره لأحمدَ إشعالًا لنار الحقد وتأجيجًا للغيظ في نفوس اليهود، لأنَّهم كانوا يستفتحون به على المشركين ويعرفونه باسم أحمد قال تعالى:
وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ
فكأنَّه يحسِّرُهم على عدم اتِّباعهم له وفوز العرب بشرف النُّبوة، حيث بُعثَِ فيهم
ومع أن الكناية السابقة-يرى القتل مدحا- شائعة ومتداولة إلا أن النظم أعطاها دقةً ولطفًا. ولكعب بيت آخر فيه كنايةلٌ قريبةٌ من هذه الكناية إلا أنَّها أقل دقةً منها، حيث يقول (2) :
فهذه الكناية وإن كثرت فيها الوسائط فيُنتقل منها أولًا إلى أنَّهم يرونه مدحًا ثم إلى الشجاعة والإقدام، إلا أن البيت ليس فيه من التفصيل ودقة النظم ما يرقى به إلى البيت الأول، حيث يُلاحَظ أنَّه فخرٌ محضٌ كفخر الجاهلية وشبيه به جدًا بيت السموءل السابق ثم يأتى كعبٌ بالمجاز المرسل في البيت الأخير ليؤكِّد قوة المؤمنين, وحرصهم على الدفاع عن دين الله بكل جوارِحهم وموطن المجاز هو قوله"ويدفع عنه باللسان"فإنَّ اللسان لا يدفع وإنما الذى يدفع هو الكلام والشِّعر, فعبَّر باللسان عن الكلام والشعر؛ لأنَّ اللسان هو آلته فالعلاقة الآلية وهى"كون الشئ واسطة في إيصال المؤثِّر إلى المتأثر" (4)
(1) سورة الصف الآية (6) . (2) ديوانه ص 217 قصيدة رقم 31.
(3) المداعس: المدعس من الرماح، الغليظ الشديد الذي لا ينثني، الوجيز مادة (دعس) ص 228.
(4) الرسالة البيانية للصبان- ص- 197 المطبعة الأميرية ط أولى 1315 هـ.