فالتشبيه في البيت لأول غرضه بيان قوة قومه وسرعة انقضاضهم على أعدائهم كما يسرع الأسد إلى فريسته في قوة وينقضُّ عليها في سرعة خاطفةٍ، والغرض من التشبيه في البيت الأخير بيان إقدام قومه وعدم نُكوصِهم لأنَّهم شجعان مقاديم كالأسود المتعاركة وقد حذف المسند إليه الذي هو مُشبَّه؛ لتقوية دعوى الاتحاد بين الطرفين، وبذلك يتَّضح اختلاف وجه التشبه في الصورة الأولى عنه في الصورة الثانية، وقد ساعد النظم على دقَّة التصوير في هذه الأبيات، فمجيئِه بالحال الثانية"، وقد أفزِعوا"جملة فعلية مؤكدة بقد مقترنة بالواو دون"مفزوعين"-؛ لأنَّ مجئ الحال على هذه الهيئة يؤكد فزعهم ,وجاءت الواو بين الجملتين لأنَّه أراد أن يستأنِف بها حالا ثانيةً فقد أراد أن يجمع لهم الهيئتين هيئة الطرد وهيئة الفزع.
وفى هذا البيت - الأول - هيئتان متناقضتان جمع بينهما حسَّان في دقةٍ بالغةٍ. الهيئة الأولى هيئة أعداء قومه الذين فرُّوا في سرعةٍ وفزعٍ, والهيئة الثانية هيئة قومه المطمئنين الثابتين كالأسود.
وقد ذكر د / سيد حنفى أن رواية"وطرنا إليهم"أجود (1) ، ولكنى أرى أن"ورحنا إليهم"هى الملائمة للتصوير في البيت، فقد عبَّر حسان بالفعل (رحنا) (فى جانب قومه) مقابل (طاروا) (فى جانب الأعداء) ؛ لأنَّ هناك تفاوتا في القوة والسرعة في الجانبين، فالفار المفزوع يعوقه الفزع عن الجرى ويتخبط في سيره"وذلك أنَّ الخوف كما ذكر الأطباء"يشلُّ الأعصاب ويجعل الفريسة في حال غياب كاملٍ عن الواقع" (2) فالفأرُّ المفزوع يخيل إليه أنه لا يبرحُ مكانه أما القوىُّ الآمن فإنَّه يمشى ثابتا فأدنى سرعة منه تجعله يدرك هذا المفزوع المعوق , كما يلاحظ أنه قال"إليهم"دون وراءهم، التى يستدعيها ظاهر الكلام، إلا أن استخدام حرف الجر"إلى"التى تدل على"انتهاء الغاية" (3) فهى تفيد أمرين الأول: أن هؤلاء المهزومين هدف وغاية لقوم حسان لن يتراجعوا دونها."
(1) ديوان حسان ص 138 والرواية الثانية للبيت في سيرة بن هشام جـ 4 ص 138
(2) فى رحاب البيان العربى ص 105
(3) مغنى اللبيب عن كتب الأعاريب ص 104 ط دار الفكر بيروت ط أولى 1412/ 1992
والمقتصد في شرح الايضاح للإمام عبد القاهر الجرجانى جـ 2/ 824 تحقيق د / كاظم بحر المرجان ط وزارة الثقافة والإعلام العراقية سنة 1982