مادة (قلب) جـ 12 ص 170.
فكعبٌ يصور أولًا من دُفِعوا إلى حرب الرسول - صلى الله عليه وسلم - وسِيقُوا إليها بالأنعام التى تُساق، فقد بدأ الأبيات باستعارة"السوق"للدَّفع على سبيل الاستعارة التبعية، دلالةً وإشارة إلى الانقياد الأعمى عن غير بصيرةٍ وتفكيرٍ، ثم ثنَّى في البيت الثانى بالاستعارة المكنية، ليكْمل الصورة ويؤكِّدَ المعنى الذى بدأه، وهو الاندفاع في جهلٍ للهلاك، حيث صوَّر تدافعهم لملاقاة الموت على يد جند الله بالإبل تُساق وتتدافع إلى حياض الماء، ويا لها من استعارةٍِ مكنيةٍ رائعةٍ موحيةٍ، حيث شبَّه الموت بمورد ماءٍ ثم حذف المشبه به ورمز إليه بشئ من لوازمه وهى الحياض فقد"جعل للموت حياضًا يردها الناس وكأنَّ الموت له حياضٌ يردها الناس" (1) ، وتَخَيُّل الموت مشروبًا خيالٌ مثيرٌ يوحى بسهولة تحصيله على يدجند الله، كما أنَّ كونه في حياضٍ يبين أنه مضمون لهم فقد قصدوا الموت من الجهة التى لا يفوتهم فيها، كما أن فيه مبالغةً في إثبات جهلهم، حيث خلطوا بين ما ينفعهم وما يضرهم ولم يميِّزوا بين هذا وذاك، وهذه الاستعارة سُبِق إليها كعب فقد وردت في معلقة طَرَفة" (2) ، حيث يقول:"
ووردت في اعتذارية كعب بن زهير يقول (3)
ونظم الكلام عند كعب بن مالك مناسبٌ للاستعارة فالمجئ بالحياض جمعا يدلُّ على تنوُّع أسباب الموت وكثرتها، كما أن قوله"ضاحيةً"فيه تصعيدٌ لمعنى السفاهة والجهل التى يصوِّرها الشاعر في هذه الأبيات، فقد سِيقوا إلى الموت طائعين مع وضوح العاقبة، فليسوا بأحسن حالًا ممن هلكوا في بدر، فهم كمن يساق إلى الموت نهارًا جهارًا طائعًا وهو ينظر إلى عاقبته ويراها.