وعلى الرغم من انصراف هذا المصطلح في العربية إلى هذه الدلالات وغيرها، فإن الكلمة مشتقة أصلًا من اليونانية بمعنى الجريان أو التدفق، والمقصود به عامة هو التواتر المتتابع بين حالتي الصمت و الصوت أو النور والظلام أو الحركة والسكون أو القوة والضعف أو الضغط واللين أو القصر والطول أو الإسراع والإبطاء أو التوتر والاسترخاء .. الخ، فهو يمثل العلاقة بين الجزء والجزء الآخر، وبين الجزء وكل الأجزاء الأخرى للأثر الفني أو الأدبي. ويكون ذلك في قالب متحرك ومنتظم في الأسلوب الأدبي أو في الشكل الفني. والإيقاع صفة مشتركة بين الفنون جميعًا تبدو واضحة في الموسيقى والشعر والنثر الفني والرقص، كما تبدو أيضًا في كل الفنون المرئية. فهو إذن بمثابة القاعدة التي يقوم عليها أي عمل من أعمال الفن، ويستطيع الفنان أو الأديب أن يعتمد على الإيقاع باتباع طريقة من ثلاث:"التكرار، أو التعاقب، أو الترابط" [1] .
ولا يكتفي التحديد العام لمشكلة الإيقاع باقصارها"على الأدب بشكل نوعي أو حتى على اللغة. فهناك إيقاع للطبيعة وآخر للعمل، وإيقاع للإشارات الضوئية" [2] .
ويأخذ الإيقاع في سياقاته الإجرائية أشكالًا شتى، فـ"هو التكرار المتسق أو غير المتسق لوضع أو مركز قوة، لمعنى أو حركة. وهو أحد أنواع الوحدة لأنه تركيز على حركة أو نغم أو لفظ معين يظهر في تناوب الحركة والسكون، الأنوار والظلام، عودة البداية في النهاية، رجوع القرار في الأغنية، رد العجز على الصدر في الشعر، تكرار قافية واحدة أو قواف متناوبة، رجوع نوبة واحدة أو عبارة موسيقية في المعزوفة. فهو تناظر زمني يقابله في الطبيعة توقف الحركة أمام حاجز ثم استئنافها. ويقوم جماله على لذة انتظار ما نستبق حدوثه [3] ، إلا أن هذا يجب أن لا يوهم بوصف الإيقاع على أنه مجرد وسيلة إطراب أو استجابة لحاجة نفسية صرف، فهو"ذو قيمة خاصة من حيث المعاني التي يوحى بها. وإذا كان الفن تعبيرًا إيحائيًا عن معاني تفوق المعنى الظاهر فالإيقاع وسيلة هامة من وسائل هذا التعبير لأنه لغة التواتر والانفعال" [4] ، لذلك ارتكز عليه الشعر ارتكازًا أساسيًا في بناء موسيقيته وعد أحد أهم أركانها التي ترتكز أولًا على الانسجام أو"
(1) معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب: 71
(2) أوستن دارين ورينيه ويليك، نظرية الأدب: 212
(3) روز غريب، تمهيد في النقد الأدبي: 107
(4) نفسه 110