اكتسبت القافية وعبر مسيرة طويلة للقصيدة العربية أهمية استثنائية في تشكيل البنية الأساس لهذه القصيدة، وبقيت طوال عصورها مهيمنة على الذائقة العربية المرتبطة ارتباطًا وثيقًا بهذا المنتج الشعري"المنمط"، إذ كان من الصعوبة البالغة بمكان على المتلقي - وحتى ظهور الثورة الشعرية نهاية الأربعينات- استلام رسالة شعرية لا تفرض فيها القافية حضورًا مهيمنًا وسطوة بالغة التأثير. غير أن ثورة الحداثة في الشعر العربي أحدثت تحولًا خطيرًا في بنية القصيدة العربية، وكانت القافية من أول وأبرز العناصر الشعرية التي تعرضت لتهديد واضح بفعل مبررات كثيرة حاول شعراء المدرسة الحديثة تقديمها في سبيل تجاوز سيطرة القافية على فعالياتهم الشعرية، وتحرير قصائدهم منها -حتى ولو كان تحريرًا جزئيًا.
وربما يكون رواد المدرسة الحديثة قد اختلفوا بعض الشيء في تقدير الضرورة التي تنطوي عليها القافية في قصائدهم انطلاقًا من خصوصية كل تجربة، ففي الوقت الذي أظهر فيه الكثير منهم مرونة كبيرة بصدد التعامل مع القافية فإن الشاعرة نازك الملائكة التي تعد المنظر الأول لحركة الشعر الحديث أبدت تحفظًا واضحًا على محاولة تغييب القافية وإهمال دورها، وذلك لأن الشعر الحر بالذات -في رأيها-"يحتاج إلى القافية احتياجًا خاصًا."
وذلك لأنه يفقد بعض المزايا الموسيقية المتوفرة في شعر الشطرين الشائع. إنَّ الطول الثابت للشعر العربي الخليلي يساعد السامع على التقاط النبرة الموسيقية، ويعطي القصيدة إيقاعًا شديد الوضوح بحيث يخفف ذلك من الحاجة إلى القافية الصلدة الرنانة التي تصوت في آخر كل شطر فلا يغفل عنها إنسان. وأما الشعر الحر فإنه ليس ثابت الطول وإنما تتغير أطوال أشطره تغيرًا متصلًا، فمن ذي تفعيلة إلى ثان ذي ثلاث إلى ثالث ذي اثنتين وهكذا، وهذا التنوع في العدد، مهما قلنا فيه، يصير الإيقاع أقل وضوحًا ويجعل السامع أضعف قدرة على التقاط النغم فيه. ولذلك فإن مجيء القافية في آخر كل شطر سواء أكانت موحدة أم منوعة يتكرر إلى درجة مناسبة، يعطي هذا الشعر شعرية أعلى ويمكن الجمهور من تذوقه والاستجابة له" [1] ."
وعلى الرغم مما يقدمه هذا الفهم من تحليل صائب لإمكانيات القافية في رفد
(1) نازك الملائكة، قضايا الشعر المعاصر، مكتبة النهضة، ط 2، 1965، بغداد: 164.