باتجاه فني معين، وبأسلوب تعبيري معين أيضًا، أي أنه ظاهرة انبثقت عن ضرورات موضوعية فنية، توشك هذه العلاقة بين ظاهرة التدوير والأداء القصصي أن تكون حقيقة لا يمكن التغافل عنها أبدًا -في حدود الزمن والنتاج الشعري الحالي- كما أن لأسلوب السرد الذي يتصف بالتتابع والاسترسال دورًا آخر يسهم في خلق أداء موسيقي له صفة التتابع المستمر، وواضح أن التدوير هو الظاهرة الموسيقية التي تتصف بمثل هذه الصفات وتحمل -بتكوينها المتكرر- متطلبات التلاحق الإيقاعي الذي ينسجم مع الأحداث المتلاحقة [1] .
وبهذا انتقلت تقنية التدوير من شكلها البسيط المحدود الشكل والهدف، إلى بنية تنطوي على قدر كبير من التعقيد والأهمية، سواء على صعيد الشكل أم الهدف، وتنوعت أنماطه وتعددت بما يناسب تعدد التجارب الشعرية المعاصرة وتنوع تعقيدها.
ويمكن حصر أكثر أنماط التدوير انتشارًا ووضوحًا في القصيدة العربية الحديثة بما يأتي:
يقوم التدوير الجملي على تدوير الجملة الشعرية الكاملة بحيث ينتهي التدوير بنهاية الجملة ليبدأ تدوير آخر مع بداية الجملة الشعرية اللاحقة وينتهي بنهايتها.
وبهذا تصبح القصيدة مجموعة من الجمل الشعرية المدورة، وقد لا تأتي جميع الجمل في القصيدة مدورة، إذ قد يدور بعضها، ولا يدور بعضها الآخر على حسب ضرورات تجربة القصيدة نفسها وحاجة ذلك إلى استخدام هذه التقنية الفنية [2] .
ففي قصيدة"يخلع العصر أثوابه"للشاعر خليل الخوري وهي تنهض عروضيًا على البحر المتدارك بتفعيلتيه الصحيحة"فاعلن -ب-"والمخبونة"فعلن ب ب-، يحصل التدوير الجزئي في جملتين اثنتين فقط من جمل القصيدة:"
مثل هذا الهواء الذي يتخلل نافذتي
ترعشين هنا باردة
(1) دير الملاك: 330 - 331.
(2) يكاد يهيمن هذا النمط التدويري على جزء كبير من تجربة القصيدة الحديثة، إذ يندر وجود مجموعة شعرية لشعراء هذين الجيلين لا تتوافر على هذا النمط من التدوير.