دلالي عام واحد من طاقة الإنجاز، وهذا الالتحام الكبير في نسيج لغة المقطع يفسر هيمنة التدوير الذي جاء هنا بمثابة رابط موسيقي لهذا النسيج الدقيق.
المقطع الثالث على الصعيد الدلالي يبدو وكأنه مستوى تفسيري من مستويات القصيدة، إذ يسيطر عليه التوصيف الذي يتطلب بطبيعة الحال تأملًا أكبر وسرعة أقل.
لهذا جاءت تفعيلتا الكامل متقاربتي الحضور والكثافة، إذ تكررت التفعيلة الصحيحة"فاعلن -ب-"بمعدل"21"مرة، في حين تكررت التفعيلة الزاحفة"فعلن ب ب-"بمعدل"19"مرة.
كما أن الاستدارات الموسيقية لم تأت سوى ثلاث مرات في السطر الثاني والخامس اللذين ينتهيان بـ"فع/ ب ب"، والسطر السادس الذي ينتهي بـ
"فا/-".
وبهذا فإن تقنية التدوير تسهم إسهامًا مباشرًا وفاعلًا في القصيدة المقطعية، التي تقوم في تشكيل بنيتها الموسيقية على هذه التقنية انطلاقًا من ضرورات تتعلق بتجربة القصيدة وخصوصيتها.
ويقوم النظام التدويري في هذا النمط من أنماط التدوير على إشغال القصيدة بأكملها، بحيث تبدو القصيدة وكأنها جملة واحدة.
إن التدوير الكلي ينحو على المستوى الشكلي منحى دائريًا، إذ أن نظامها الشكلي والكتابي يحدده مستوى وطبيعة تدويره فيها، ويخلق لفضاء القصيدة حدودًا معينة تتكثف التجربة ويعمل الفعل الشعري داخل محيطها.
وتتميز قصيدة التدوير الكلي بانسيابية واستمرارية وتواصلية لا يمكن أن تتحقق في أي نمط آخر من أنماط التدوير الأخرى [1] .
ويمكن في هذا الصدد مقاربة قصيدة"التحول"للشاعر حسب الشيخ جعفر
(1) تحتشد تجربة حسب الشيخ جعفر الشعرية، بالكثير من هذا النمط، تنظر أعماله الشعرية، وينظر في هذا الصدد: أدونيس في كثير من أعماله الشعرية، وسامي مهدي في"سعادة عوليس"، وغيرهم، وعلى الرغم من أن شعراء سبقوا حسبًا في كتابة القصيدة المدورة، إلا أن تأصيل هذه التجربة حديثًا وجعلها قوة مؤثرة، يعود الفضل فيه إلى حسب، انظر: طراد الكبيسي، الغابة والفصول، دار الرشيد للنشر، 1979، بغداد: 93.