وتحتاج هذه الروابط إلى قدرات شعرية متفوقة بإمكانها أن تظهر وضوحا أكبر لخواص العلاقة بين الإيقاعين، من أجل أن ترفد القصيدة بقوة حضورية أكبر وفاعلية أوسع في التأثير والكشف، إذ يمكن للشعراء المجيدين"أن يقدموا نماذج إيقاعية خاصة بهم تجاوز القوالب العامة، نبرية كانت أو كمية إلى رسائل أخرى صوتية وصرفية ودلالية، تشكل في مجموعها ما يسمى بالتماسك النصي Choesion، وتحقق ملائمة البنية الصوتية الظاهرة للبنية الدلالية الباطنة appropriatenss وهنا يصل الإيقاع في قصيدة بعينها إلى أقصى درجات التفوق والخصوصية" [1] .
فالقصيدة إذن بإيقاعها، والإيقاع بتفرده عبر أحداث هذا التماسك النموذجي بين قدرات الصوت وظلال الدلالة، بما يعطيها جدة كاملة يجعل من فاعلية الإيقاع فيها فاعلية ابتكارية.
تقوم القصيدة الحديثة في تشكيل بنيتها الموسيقية- ضمن ما تقوم به- على عنصرين أساسيين هما الإيقاع والوزن، إذ يكمل أحدهما الآخر في تناسب وتلاحم شديدين"على أن ثمة فارقًا دقيقًا بين ما يعرف اصطلاحًا بالوزن meter وما يدعى فنيا بالإيقاع Rhythm ولكي يتضح هذا الفارق ينبغي أن نميز بين الصوت باعتباره وحدة نوعية مستقلة، والصوت باعتباره حدثا ينطقه المتكلم بطريقة خاصة، وفي ظروف لغوية وواقعية خاصة، ففي الحالة الأولى ينظر إلى طبيعة الصوت من حيث هو لام أو ميم، أو ضمة أو فتحة مثلًا، وفي الحالة الثانية ينظر إلى خصائصه النسبية والسياقية relational كدرجته علوا وانخفاضًا، ومداه طولًا وقصرًا، ونبره قوة وضعفًا، وتردده في التركيب اللغوي قلة وكثرة، وتلك خصائص نلحظ فيها طريقة النطق بالصوت، إضافة إلى السياق الذي ورد فيه، والنسق اللغوي الذي تضمنه مع غيره" [2] . بمعنى أن المقصود تحديدًا بالإيقاع هو وحدة النغمة التي تتكرر على نحو ما في الكلام أو في البيت، أي توالي الحركات والسكنات على نحو منتظم في فقرتين أو أكثر من فقر الكلام
(1) سعد مصلوح، مقال (المصطلح اللساني وتحديث العروض العربي) ، مجلة فصول، العدد 4 - المجلد 6 - 1986:181.
(2) د. محمد فتوح أحمد، مقال (ظاهرة الإيقاع في الخطاب الشعري) ، مجلة البيان، العدد 28 - 1990 - الكويت، (نقلًا عن) :