لن يسأل العطشان غير حفنة من ماء
لن يحلم المحكوم بالإعدام أن ينهدم الحائط عن جوهرة
أو كنز
ما حاجة الأعمى إلى الضياء؟
أعمى أنا ما دمت لا أراك
وظامئ حتى أذوق، مرة لماك
وأين للفقير أن يراك
يشرب من يديك أو يذوق من لماك [1]
وتنتظم هذه التقفيات على نحو متداخل، فالتقفية الأولى"خبز"تتصل دلاليًا بالتفاعل"الجوعان"، والتقفية المقفلة الثانية"ماء"تتصل دلاليًا بالفاعل"العطشان"إلا أن التقفية الثالثة"كنز"تبدو زائدة لأن المفردة السابقة عليها"جوهرة"تعوض عنها دلاليًا، لذلك فإنها جاءت فقط للتوازن الإيقاعي مع"خبز".
على العكس من التقفية الرابعة"الضياء"التي تتوازن إيقاعيًا مع"ماء"وتنسجم دلاليًا في الوقت نفسه مع"حاجة الأعمى".
أما القافية الأخيرة"أراك- لماك- يراك- لماك"ففيها تفاوت تركيبي في بنيتها، إذ إن التقفيتين الأولى والثالثة"أراك-يراك"تكادان تتطابقان في الأصوات جميعها، في حين تتطابق القافيتان الأخريان تطابقًا تامًا"لماك-لماك". والسطور الشعرية الأربعة مبنية أساسًا على الموحيات الدلالية لقوافيها بالرغم مما تحققه من توازن إيقاعي دقيق.
إن الاهتزاز الكبير الذي تعرضت له القافية بعد ثورة الحداثة في الشعر العربي، أخضعها لمقاييس ومقاربات جديدة تنسجم مع طبيعة هذه الثورة وقوانينها، لذلك لم تستطع الاحتفاظ بشكلها التقليدي الموحد الذي سارت عليه القصيدة العربية عدة قرون.
ونتيجة لتأثيرات كثيرة-داخلية وخارجية- فقد تعددت أنماط القافية بتعدد مستويات أدائها، إذ إن"الشعراء لم يهملوا القافية في القصيدة الحرة بل طوروها"
(1) الأعمال الشعرية 1964 - 1975، دار الشؤون الثقافية، 1985، بغداد: 133 - 134.