فهرس الكتاب

الصفحة 120 من 242

بسيطة موحدة متشكلة من صوتي"النون"وصوت المد الطويل المكسور"الياء"، وتقوم التقفيات الثلاث في تشكيلها على موازنات دلالية. ففي السطر الأول من القصيدة تأتي التقفية"اغثني"طرفًا في معادلة طرفها الآخر"لن أقول"، أي إحجام عن إطلاق أداء الفعل المشكل للتقفية. وكذلك الحال بالنسبة للسطر الشعري الثاني الذي يتكون أيضًا من معادلة تعمل بنفس آلية المعادلة الأولى، طرفها الأول"لن اتقيك"وطرفها الثاني"لتصفح عني". والشيء نفسه يقال عن السطر الثاني من الجملة الشعرية الوحيدة التي تختتم بها القصيدة (خذ ما تشاء/ ودعني) .

وبهذا فإن القافية أدت دورًا دلاليًا وتركيبيًا مهمًا في القصيدة، على الرغم من توزيعها مرة على جملة شعرية ومرتين على شطرين شعريين.

إن التقفية المختلطة وبسبب من حرية الشاعر في توزيع تقفيات قصيدته بين نظام السطر الشعري ونظام الجملة الشعرية، فإنها تبدو أكثر توفيقًا في الاحتفاء بالوظائف الممكنة الأخرى للقافية التي تتقدم مرحلة مهمة على الوظيفة الإيقاعية الصرف، غير أنها في الوضع العام لا تكاد تختلف عنهما كثيرًا ما دامت القافية أساسًا بسيطة"موحدة"، بوصف أن الهامش المتاح للإبداع في القافية الموحدة هو أصلًا هامش صغير لا يسمح بإنجازات خلاقة في هذا المجال.

2 -القافية المركبة"المنوعة":-

انتقلت القافية في القصيدة الحديثة إلى مرحلة أكثر تعقيدًا بفعل تطور كل أدوات الفعل الشعري، وبفعل اتساع حجم الوظائف التي تقوم بها هذه الأدوات. وفي الوقت الذي كانت فيه القافية الصغيرة لا تحقق في القصيدة الحديثة سوى قدر يسير من الغنى الفني الذي لا يرضي كثيرًا مستقبلات المتلقي المعاصر، فإن التقفية المركبة تمتاز"بدقة الجمال الموسيقي وعذوبته" [1] .

وتركيبية القافية لا تأتي من فراغ إنما هي انعكاس لتعقيد العمل الفني الإبداعي الحديث كله بنحو خاص والحياة المعاصرة بنحو عام، لذلك فإن شعراء المدرسة الحديثة عمومًا"اميل إلى الموسيقى المركبة منهم إلى الموسيقى البسيطة" [2] ، لأن القصيدة التي قطعت أشواطًا في مسيرة الحداثة لم تعد تسمح كثيرًا باستخدام تقنيات بسيطة لا تتلاءم مع روح التجربة وتعقيدها. والقافية المركبة

(1) د. صفاء خلوضي، فن التقطيع الشعري والقافية: 224 - 225.

(2) علي يونس، النقد الأدبي وقضايا الشكل الموسيقي في الشعر الحديث: 158.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت