فهرس الكتاب

الصفحة 220 من 242

ويمكن في هذا السبيل حصر أكثر هذه النماذج حضورًا وأهمية في القصيدة الحديثة بما يأتي:

3 -1 - التداخل العروضي:

إن الأوزان الشعرية بوصفها الأساس الموسيقي الأكثر استقلالية الذي تقوم عليه القصيدة العربية، استطاعت أن تهيمن على البنية الموسيقية لهذه القصيدة زمنًا طويلًا. وإذا ما فحصنا التطور الذي حصل في طريقة استخدامها حتى ما قبل ظهور الثورة الشعرية العربية نهاية الأربعينيات، فإننا سنخفق في الوصول إلى ظواهر عامة كبيرة يمكن التعويل عليها ودراستها.

غير أن هذه الهيمنة تعرضت إلى شرخ كبير بعد الثورة الشعرية آنفة الذكر، إذ اختلف النظام الموسيقي تمامًا على أثر التوزيع الحر للتفعيلة على مساحة القصيدة واستثمار الترخصات العروضية استثمارًا حيًا وديناميًا. إلا أن ذلك أدى في الوقت نفسه إلى الاقتصار على البحور الصافية (أحادية التفعيلة) من دون البحور المركبة -إلا في حدود ضيقة-.

وما لبثت النزعة التجريبة عند شعراء القصيدة الحديثة أن اهتدت في ضوء الحس الموسيقي الذي يمتلكه الشعراء للبناء المركب في القصيدة العمودية، إلى محاولة إيجاد تداخل عروضي بين بحرين أو أكثر، من أجل إيجاد مبررات إيقاعية تتجاوب مع تعقيد التجربة الشعرية الحديثة. إلا أن هذه الحرية في الاستخدام لا تعني الفوضى واعتباطية المزج، بل إن الانسجام الذي يجب أن يتحقق بين الدلالة والوزن الشعري، واستيعاب الأفكار للانتقال الوزني [1] ، وسلاسة الانتقال إيقاعيًا كلها، عوامل من الواجب حضورها في مثل هذه المزاوجة الموسيقية.

ذلك لأن (( التغير في الوزن يصاحبه تغير في كياننا ) ) [2] بوصفنا شركاء في صناعة فضاء متكامل لتجربة القصيدة، بمعنى أن الانتقال الوزني ليس ضرورة شكلية مجردة، نابعة من رغبة الشاعر في إضفاء تطور جديد على الشكل الموسيقي لقصيدته، بل يفترض أن يكون هذا الانتقال (( مصحوبًا بالانتقال

(1) مارك شودر وآخرون، أساس النقد الأدبي الحديث، ترجمة: هيفاء هاشم، مطابع وزارة الثقافة والسياحة والإرشاد القومي، 1966، دمشق: 69 - 70.

(2) عضوية الموسيقى في النص الشعري الحديث: 51.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت