فهرس الكتاب

الصفحة 227 من 242

تتطلب هدوءًا إيقاعيًا منضبطًا، وهذا ما وفرته إيقاعات"الخبب"التي سارت بنحو متوازن مع درامية المناخ الشعري حتى نهاية القصيدة.

3 -2 - التداخل الشكلي:

يعمد الشاعر الحديث أحيانًا إلى إيجاد نوع من التداخل الشكلي بين الشكلين الحر والعمودي، في محاولة منه لتحقيق مزاوجة موسيقية على المستوى السمعي، إذ أن الشعر العمودي يعمل دائمًا على خلق غنائية عالية لا يخطئها السمع بحكم طبيعة مقومات نظمها القائمة أساسًا على ذلك، في حين يحقق الشعر الحر لونًا من الدرامية [1] التي تقوم على إيجاد توازن وتناسب بين المستوى الدلالي والمستوى الإيقاعي مما يجعلها أقل غنائية وذات واقع موسيقي أقل هدوءًا بما يناسب طبيعة التجربة ومراحل نموها المتعددة.

لذلك فإن هذا التداخل الشكلي أو التناوب ينهض أساسًا على محاولة تصعيد غنائية القصيدة الحديثة، لأن الانتقال من الشكل الحر إلى الشكل العمودي يصاحبه نقل كامل في طريقة معالجة الحال الشعرية إيقاعيًا، بما يدفع بالمتلقي إلى استحضار ذائقته وخبرته التقليدية في الاستجابة لهذا التحول الشكلي في القصيدة، ومن ثم التقليل من حدة المسار الإيقاعي الموحد الضاغط على فضاء القصيدة الموسيقي.

وكذلك الحال في الانتقال المعاكس من الشكل العمودي إلى الشكل الحر، والذي يزيد من حدة المسار الإيقاعي ويصعد من غنائية القصيدة كما هو الحال في قصيدة (ليلى) للشاعر بدر شاكر السياب [2] التي تبدأ بثمانية أبيات من الشكل العمودي يفتتح بها القصيدة:

قرب بعينيك مني دون اغضاء ... وخلني أتملى طيف أهوائي

أبصرتها؟ كادت الدنيا تفجر في ... عينيك دنيا شموس ذات آلاء

أبصرت ليلى فلبنان الشموخ على ... عينيك يضحك أزهارًا لأضواء

إني سألثمها في بؤبؤيك كمن ... يقبل القمر الفضي في الماء

(1) حسن الغرفي، البنية الإيقاعية في شعر حميد سعيد: 112.

(2) وانظر على سبيل المثال: قصيدتي (الرحلة ابتدأت) و (رثاء المالكي) لأحمد عبد المعطي حجازي، الديوان: 284، 306، و (مجنون بين الموتى) لأدونيس، الآثار الكاملة، مجلد 1: 273، و (عن المسألة كلها) لسعدي يوسف، الأعمال الشعرية: 186.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت