المجردة والإيقاع المجرد.
فالتكرار في هذه العملية التي يشوبها التعقيد والتركيب (( يخضع للقوانين الخفية التي تتحكم في العبارة واحدها قانون التوازن، ففي كل عبارة طبيعية نوع من التوازن الدقيق الخفي الذي ينبغي أن يحافظ عليه الشاعر في الحالات كلها. إن للعبارة الموزونة كيانًا ومركز ثقل وأطرافًا، وهي تخضع لنوع من الهندسة اللفظية الدقيقة التي لابد للشاعر أن يعيها وهو يدخل التكرار على بعض مناطقها ) ) [1] ، بما ينسجم تمامًا مع كل عناصر التشكيل في القصيدة وبما يستجيب لواقع التجربة وخصوصيتها وثرائها.
إن محاولة حصر أشكال التكرار المستخدمة في القصيدة الحديثة لا يعد أمرًا سهلًا وميسورًا بالقياس إلى حجم المنتج الشعري لهذه القصيدة حتى وإن حددت بجيل أو جيلين، وذلك لأن قابلية الشاعر الحديث على استحداث نظم تكرارية جديدة بما ينسجم مع وعيه وثقافته المعاصرة والمتنوعة من جهة، ومع ثراء وعمق تجاربه الحيوية من جهة أخرى، يجعل من إمكانية ملاحقتها بدقة ورصد حركيتها من الأمور الصعبة نسبيًا.
إن (( أشكال التكرار متنوعة جدًا، منها عودة لازمة على فترات منتظمة، واستعادة مقطع البداية في الخاتمة، مما يسمح للفكرة الشعرية بأن تلتف حول نفسها وتغلق القصيدة، وهكذا تشدد على انطباع الـ(حلقة) والـ (دائرة المغلقة) [2] ، فضلًا عن أشكال أخرى يمكن رصد أهمها وأوسعها انتشارًا وتحديدها بما يأتي [3] :
2 -1 - التكرار الاستهلالي:
يستهدف التكرار الاستهلالي في المقام الأول الضغط على حالة لغوية واحدة، توكيدها عدة مرات بصيغ متشابهة ومختلفة من أجل الوصول إلى وضع شعري معين قائم على مستويين رئيسيين: إيقاعي ودلالي.
ففي قصيدة (دعوة للتذكار) للشاعر محمود درويش مثلًا يتكرر الفعل (مر)
(1) قضايا الشعر المعاصر، ص 257.
(2) سوزان بيرانا، جمالية قصيدة النثر: 31.
(3) إن هذه الأشكال التكرارية يمكن رصدها في أغلب دواوين شعر هذين الجيلين، لما يشكله التكرار من حضور استثنائي في بنية القصيدة الحديثة.