فهرس الكتاب

الصفحة 192 من 242

انطلاقًا من معطياتها ومستويات أدائها وتأثيرها في القصيدة، فضلًا عن دورها الدلالي التقليدي الذي أطلق عليه القدماء (التوكيد) ، وفائدتها في جمع ما تفرق من الأبيات والمقاطع الشعرية [1] .

إن التكرار المستثمر شعريًا يتوقف نجاحه على مدى الوعي الشعري الذي يتحكم في استخدامه واستئثاره بنصيب وافر من التشكيل، فهو يمكن أن يحيي الكلمة وأن يميتها في الوقت عينه، لأن التكرار يمثل في حقيقته نقطة توقف تهدد طغيان الإيقاع، إذ تنتفخ الكلمة وتسمر الانتباه مما يبعث على الخشية من سيطرة التكرار الآلي الذي يعطل الوعي، إذ يعطي الكلمة وزنًا في البداية ويجعل الوعي يتوقف عندها، ثم ما يلبث أن يفقدها وزنها كأنها لم تكن، لتعود هيمنة الإيقاع وجمود الحركة على الفضاء الموسيقي للقصيدة [2] .

لذلك فإن التكرار الشعري البارع الذي ينم على وعي فني متقدم، يجيء في القصيدة على وفق أشكال مختلفة موظفة أساسًا لتأدية دلالتها [3] بأسلوب يضفي على التشكيل عناصر إبداعية جديدة تحقق له شعرية أكبر.

وبذا فإن التكرار في هذه الحالة لا يصبح نوعًا من أنواع العجز الشعري، إنما (( يصير فضيلة في الشعر ) ) [4] إذا ما استخدم على النحو الذي يقف تمامًا عند حدود الحاجة الشعرية القصوى له، أما إذا استمر التكرار في القصيدة حتى يتعدى الحدود فذلك هو الدخول في الفقدان إلى صفر المدلول، وهو انسحاب التكرار عن المركز وأبعاده إلى جهات هامشية للموسيقى [5] . إن ما يضلل الشاعر ويوقعه في هذا المزلق التعبيري، السهولة والقدرة المتاحة على ملء البيت وإحداث موسيقى ظاهرية فيه، بوساطة استخدام تكرار يوهم بأنه جمال في حد ذاته ويحسن الشاعر صنعًا بمجرد استخدامه، في الوقت الذي خرج فيه التكرار في القصيدة الحديثة من هذا الفهم الخارجي الضيق، واستعمل فيها بوصفه الشاعر وفاعلية مخيلته ووعيه على الانتقال به إلى مستوى إبداعي خلاق [6] وإخراجه من حدوده الدنيا في المتعة

(1) محمد بنيس، ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب، ص 61.

(2) غيورغي غاتسف، الوعي والفن، ص 78.

(3) يمنى العيد، مجلة الكرمل، العدد 2، 1982، ص 147.

(4) عبد الفتاح كيليطو، الأدب والغرابة -دراسات بنيوية في الأدب العربي- دار الطباعة والنشر، ط 1، 1982، بيروت، ص 10.

(5) رولان بارت، لذة النص، ترجمة: فؤاد صفا والحسين سبحان، دار توبقال للنشر، 1988، الدار البيضاء، 44، 45.

(6) قضايا الشعر المعاصر، ص 257.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت