فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 242

إن الشعر كما يراه مالارميه هو التعبير باللغة البشرية وقد أرجعت إلى إيقاعها الأساس، إيقاع المعنى الغامض لمظاهر الوجود، بمعنى أن شرط الشعر ينبع من اكتساب لغته إيقاعًا خاصًا يتشكل من قوة الغموض في الطبقات العميقة للمعنى، تلك التي تحاول تفسير مظاهر الوجود المعقدة تفسيرًا شعريًا، إلا أن دخول موسيقى الشعر بوصفها نظامًا قائمًا على أسس وقواعد وقوانين منطقية ورياضية زاد من انتظام فعالية البنية الإيقاعية في النص الشعري، وفسّر في الوقت نفسه إشكالية الغموض والقوة فيه، ونقلها من فضائها السحري الغيبي إلى حيث تشتغل أدائيًا في بنية القول الشعري، متجاوزة في ذلك الوظيفة التقليدية الصرف للإيقاع.

هذا النظام الجديد بقوانينه ونظمه وقواعده المحددة الواضحة التي تنطوي على إمكانات قابلة للانكشاف بمرور الزمن وتعقيد التجربة الشعرية وتعميقها، يتقدم بوصفه بنية رمزية تنتزع مفاتيحها من شبكة الدلالات التي تمتزج بها، وتنقلها من شكل الحياد في حدود واقعها الرياضي المقنن إلى صورة الانحياز المتضمن استنباط كل عناصر الحياة والإبداع والتجول في هذا الواقع المقنن، وجعله جزءًا متفاعلًا في التجربة.

إن المهمة التقليدية التي ينهض بها الشاعر في محاولة إيجاد محاورة بين إيقاع الدلالة ودلالة الإيقاع، تبدو الآن غير كافية تمامًا إذا ما أدركنا سر الارتباط الحيوي بين الشعر والموسيقى والعلاقة العضوية بينهما، بوصف أن الإيقاع المتولد عن هذا التداخل يعد مناخًا حيويًا يوفر لمنظومة الدلالات المتشكلة من جوهر المعنى الشعري قدرة أكبر على التمظهر واتساع الحدود.

إن المعنى لا يتحول من نثري محدد إلى شعري مطلق إلا من خلال اشتغال

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت