بنية إيقاعية، تسهم في إحداث هذا التحول الخطير في شكل اللغة وطاقاتها الدلالية، وصولًا إلى التعبير عن الظلال الوجدانية للدلالات.
من هنا يمكن التأكيد على أن أي خلل في الموازنة الحرة بين إيقاع الدلالة ودلالة الإيقاع يصاحبه شرخ في شعرية القصيدة، يؤدي ضرورة إلى خلخلة نظمها وقوانينها.
يمثل الصوت أصغر وحدة إيقاعية في المفردة الداخلية في نسيج القصيدة الشعرية، ويكتسب في دخوله الشعري قيمة إيقاعية مضافة، من خلال الفعاليات التي تنهض بها مجموعة الأصوات المتجانسة والمتناثرة، وهي تؤلف موجهات تقارب قيمًا مدلولية معينة، لأنه لا يمكن بأي حال من الأحوال إقصاء إيقاع المفردة الشعرية عن محتواها الدلالي.
وإذا كانت هذه العلاقة يكتنفها الكثير من الغموض والسرية في صورتها المجردة غير الشعرية، فإنها في الشعر تتجلى بكامل قوتها وعطائها، إذ أن للشعر قوته في كشف سرية العلاقة وإبانة غموض آلية التوصل بين معنى الصوت وصوت المعنى فيها.
وتظهر قوة الشعر الكاملة هذه في الطاقة التي ينطوي عليها الصوت مشربًا بالدلالة، وبقدر ما يكون هناك تجاوب صوتي فإنه يسهم في إحداث موازنة سيميائية دلالية، كما أن الجرس الموسيقي وهو يتشكل باندفاعات صوتية ذات صورة أكثر تعقيدًا من الصوت المجرد، فإنه يشتغل على تصوير فضاء المعنى، ويعمل الإيقاع بوصفه المرحلة الصوتية الأكثر نضجًا وصيرورة على دعم هذا الفضاء من خلال إنتاج الفعل الصوتي في النص.
إن طبيعة التكون والنمو المحوري للدلالات في النص تفرض على الأصوات المؤلفة لها طبيعة السعة والعمق، بما يحقق تناسبًا حيًا تتمخض عنه البنية الإيقاعية الخاصة بالنص.
ويبدأ هذا التكون من نقطة"بؤرية"تلتقي فيها بؤرة المعنى مع بؤرة الصوت، ويتم الاتحاد بينهما في منطقة الشعر الغامضة، وباكتساب هذا الاتحاد قوته الشعرية تندفع بؤرة المعنى نحو التخلق الكامل بالتجربة، ومن ثم تقديم مستويات دلالية جديدة مشبعة بالتعدد والاحتمال يصاحبها تطور وتعقيد وعمق في البنية الإيقاعية، بالقدر الذي يستوعب انفجار الدلالة، ويحقق تماسكًا نصيًا يستحيل فصله.