كما تسهم الأفعال الماضية الناقصة"كان -كان- كان"والأفعال المضارعة"يطوي -يشاء- يسكت- يبكي- يحصي"في مداها الدلالي والإيقاعي، في تهدئة الحركة من خلال بعثها في فضاء الحزن القائم على الاستذكار والتأمل والاستلهام.
وفجأة يتدخل الحوار باستخدام الفعل الحواري المباشر"قال"الذي يتكرر أربع مرات، مرة بشكله الماضوي نفسه ومرتين بشكله المقترن بـ"نا"المتكلمين"قلنا"، ليتسارع الإيقاع ويتلاحق بصورة غير متقطعة من خلال ثبات السؤال"- والشاي؟"
ثم تعود بنية السرد لتسيطر على خاتمة القصيدة وتقدمها بأسلوب حكائي تتنوع فيه الأفعال وتتزاحم (اختلفنا- تصايحنا/ ترك- ولى- مضى- غاب- غاب/ لا يلوي- لا رد) لتبقي قدرًا معينًا من سرعة الإيقاع الذي كان على أشده في المقطع الحواري السابق، لكنه ما يلبث أن يهدأ شيئًا فشيئًا حتى يستقر تمامًا إلى الهدوء التام في نهاية القصيدة بتأثير أداتي النفي"ما-لا"اللتين تقصيان الفعل من احتمال تحقيق الإنجاز وتبعثان في الوقت نفسه صدى إيقاعيًا بطيئًا.
يمثل الإيقاع ظاهرة صوتية شمولية لا تتحدد مطلقًا بالأصوات بشكلها المجرد فقط بل تشمل كل ما يحيط بها وما يحيل عليها من عناصر مكملة، فالصوت لا تعرف خواصه ولا يعرف شكله إلا من خلال الصمت المحيط به، الذي يسهم أيضًا بقدر أو بآخر في تشكيل بنية الإيقاع.
فالإيقاع إذن"تردد ظاهرة صوتية- بما في ذلك الصمت- على مسافات زمنية متساوية أو متقابلة" [1] ، والصوت والصمت يتحددان على المستوى الكتابي للقصيدة بالسواد رمز"الصوت"والبياض رمز"الصمت"إذ إن للبياض في القصيدة أهمية لافتة للنظر، فالنظم يقتضيه باعتباره صمتًا يحيط بالقصيدة" [2] ."
وتتميز القصيدة الحرة بأنواع مختلفة من الوقفات التي تحدد حجم السواد والبياض فيها، والوقفة في الأصل هي توقف ضروري للمتكلم لأخذ نفسه. وهي بالتالي ليست إلا ظاهرة فيزيولوجية خارجة عن النص، ولكنها بطبيعة الحال
(1) د. محمد فتوح أحمد، مقال (ظاهرة الإيقاع في الخطاب الشعري) ، مجلة البيان، العدد 288 - 1990 - الكويت.
(2) بنية اللغة الشعرية: 98.