محملة بدلالة لغوية" [1] ، وهي في الموسيقى تقابل السكتة التي"تأخذ معناها من أصناف ما يجاورها من ألحان، فالصمت على هذا الاعتبار لحظة من لحظات الكلام والسكوت ليس بكمًا بل رفضًا للكلام فهو نوع منه [2] .
إن البياض يقوم بشكل أساسي على العنصر التشكيلي للمكان الذي يحتله السواد، متخليًا في ذلك عن مساحة معينة للبياض، ويعد في التجربة الشعرية المعاصرة وسيلة من وسائل توفير الإيحاء وتوصيل الدلالة للقارئ [3] ، عن طريق الصراع الحاد القائم"بين الخط والفراغ، أي بين الأسود والأبيض وهو ربما لم يجربه القدماء بنفس الحدة التي تعتري شاعرنا الحديث وهو يكتب نصه الشعري، لأن القدماء كانوا يعرفون مسبقًا حدود المكان عند كتابة النص، فيمارسون لعبة الكتابة داخل إطار مقفل، أما الشاعر الحديث فإنه يواجه الخطوط (اللون الأسود) بنفس القلق الذي يواجه به الفراغ (اللون الأبيض) ، وهذا الصراع الخارجي لا يمكن أن يكون إلا انعكاسًا مباشرًا أو غير مباشر للصراع الداخلي الذي يعانيه."
إن بنية المكان يشوبها قلق دائم تحدوه رغبة في تحطيم التقاليد البصرية التي اعتادها القارئ فجعلت عينيه مركزتين على بنية مكانية تمنحه الاطمئنان وتدعم توازنه الداخلي الوهمي، أما الشاعر الحديث فإنه يمتد بهذا التركيب اللا متناهي إلى دواخل القارئ ليحدث خلخلة ويدفع بهذا الاطمئنان نحو الشك والدخول في متاهة القلق. ويمكن أن نلاحظ تداخل العلاقة بين بنية المكان والزمان في البيت الشعري، فهو عندما ينتهي ببياض قد ينتهي بوقفة عروضية وقد لا ينتهي، وكما أن طول البيت وقصره ليسا موحدين في جميع الأبيات.
والشاعر في اختياره لهذه المقاييس لا يصدر عن تفضيل عنصر على عنصر آخر، وإنما تتداخل في الاختبار الذاتي مجموع البنيات الجزيئية التي يحكم وجودها ترابط جدلي، وينتهي البيت عندما يلامسه البياض أو عندما يوقفه البياض فيحد من حريته في التدفق [4] .
ويمكن النظر إلى كل القصائد المعاصرة على هذا الأساس إذ أنها تتشكل جميعًا على تفاصيل اللعبة القائمة بين البياض والسواد، فطالما أن المساحة
(1) محمد بنيس، ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب: 54 - نقلا عن:
(2) عضوية الموسيقى في النص الشعري: 58.
(3) ظاهرة الشعر المعاصر في الغرب: 100 - 101.
(4) نفسه: 103.