الإضمار"فعلن - -"في المقطع الثاني، مما يسمح لإيقاعات المقطع الثالث ضرورة بفضاء إيقاعي وحركي أكثر سعة ومرونة وتدفقًا عما هو الحال في المقطع الثاني.
أما في المقطع الرابع فإن الحال يختلف بل يتغير تغيرًا واضحًا، إذ تصعد الغنائية، ويتحول ذلك الهدوء الإيقاعي السابق إلى تدفق إيقاعي، وتسيطر لغة السرد والوصف، وتطول الجمل الشعرية بما يناسب الحال ومكوناتها وآفاقها.
إن هذا المقطع أشبه ما يكون بأغنية من أغاني المتصوفة التي تدعو إلى اعتزال الدنيا الفانية الزائفة التي لا يمكن إصلاحها. والبحث عن الموت (المخلص) الذي يمثل عندهم الحقيقة.
إن هذه الأفكار والصيغ والعلامات والدلالات تتحرك في الأفق الموسيقي للبحر (الوافر) الذي تهيمن على جزء كبير من مساحته الإيقاعية التفعيلة الزاحفة (مفاعلين ب - - -) وهي تفعيلة الهزج.
غير أن هذا التدفق الإيقاعي ما يلبث أن يهدأ في المقطع الخامس والأخير، حيث يظهر وجه الراوي (بشر) ناقلًا الحوار مع شيخه (بسام الدين) الذي يعبر حديثه عن الحكمة والتجربة والوعي الحاد بحقائق الأشياء، بواطنها وظواهرها.
وتستمر لغة المقطع بواقعها المشحون بالحس الصوفي، وتعود تفعيلة (الخبب) لتنظم المسار الموسيقي للمقطع.
يتمحور هذا المقطع في بحث المتصوف عن (الإنسان الإنسان) عبر الحوار الصوفي مع شيخه، وتطرح هذه المعادلة الصوفية نماذج الإنسان المطروحة في الدنيا الزائلة والصراع المستديم بين هذه النماذج تحت قاعدة البقاء للأقوى.
فهناك (الإنسان الأفعى -الإنسان الكركي- الإنسان الثعلب- الإنسان الكلب- الإنسان الفهد) ، وفي خضم هذه المعادلة التي يجري التنافس والصراع الدنيوي فيها بين هذه النماذج الإنسانية التي يطرحها المقطع، يغيب وجه (الإنسان الإنسان) لأن زمنه قد ولى، وما نعيشه ليس سوى هامش زمني"اليوم الثامن من أيام الأسبوع الخامس من الشهر الثالث عشر"، لتصل المحاورة إلى نتيجة أن (الإنسان الإنسان) ليس سوى المتصوف نفسه الذي ينعى على الإنسان الذي يعيش في هامش الزمان صراعه الدنيوي ولهاثه وراء زيف الحياة الفانية.
إن هذه القناعات التي يتحرك فيها المنطق ويؤثثها بلغته وأسلوبه لا تحتاج قدرًا كبيرًا من الغنائية، وبالتالي إيقاعًا عاليًا، وذلك لأن بنية المقطع بنية درامية