فهرس الكتاب

الصفحة 155 من 242

القصيدة الحرة بطاقات إيقاعية جديدة، ويمكن جمهور الشعر من تذوقه والاستجابة له بوصف أنه لا يهدد ذائقته ولا يصدمها كثيرًا فإنه لا يعطي هذا الشعر الحر"شعرية أعلى"إلا في بنيته السطحية القائمة على الإيقاع، أما البنية العميقة المتأسسة على غنى الدلالة والتي تمثل جزءًا مهما من شعرية القصيدة فإنها لا تخضع ضرورة إلى حضور القافية ولا تشترطها أصلًا.

من الواضح جدًا أن القافية إذا ما استخدمت لذاتها بهدف توفير أجواء إيقاعية معينة ترضي ذائقة جمهور المتلقين وتوسيع الفضاء الموسيقي للقصيدة حسب، فإنها ستدفع بالشاعر إلى استخدامها سلبيًا قد يضطر معه أحيانًا"لحذف صوت ساكن أو مقطع بأكمله أو حذف تاء التأنيث وإن كان هذا يتسبب أحيانًا في الاشتباه بالمذكر" [1] ، وقد يضطر في أحيان أخرى"لزيادة حركة أو هاء كصوت ساكن أو إدخال ياء النسب في كلمة القافية دون داع غير داع القافية" [2] ، مما يجعل من وجود القافية وجودًا طارئًا لا يمكنه أن يسهم في بناء شبكة النسيج الداخلي لبنية القصيدة، لأن الاضطرار يقود ضرورة إلى الإقحام والافتعال.

وبعكسه إذا ما استخدمت القافية استخدامًا خلاقًا فإنها لا تصبح جزءًا لا يتجزأ من بنية القصيدة فحسب بل مظهرًا من مظاهر حداثتها أيضًا، إذ على الرغم من أن الشعر الحديث يهدف إلى التحرر من قيد القافية ويحاول التخلص من هيمنتها قدر المستطاع، إلا أن تخلصه منها"ليس هو المحك الحاسم كذلك على جدته، وفي الأبنية الشعرية الجديدة نلتقي بالقافية أحيانًا. حقًا إنها لا تتلاحق في رتابة وجمود، بل تلمع هنا وهناك في ارتباطات متراوحة طيعة، على أن التخلص من القافية الرتيبة إحدى الوسائل المسعفة كذلك على البناء الفني الجديد وليس شرطها القاطع" [3] .

فالقافية بوضعها المجرد ليست شرطًا لتوفير فرص نجاح كبيرة للبناء الفني الجديد، كما أن إهمالها ليس مدعاة للحداثة. لأن هذا يتوقف على عناصر بنائية كثيرة أخرى وما القافية في حالة غيابها أو ضرورة وجودها سوى عنصر واحد من هذه العناصر، وحين يهمل الشاعر القافية فإنه"قد يلجأ إلى وسائل موسيقية أخرى"

(1) القافية والأصوات اللغوية: 135.

(2) نفسه: 135.

(3) النقد الأدبي وقضايا الشكل الموسيقي في الشعر الجديد: 140، وانظر: محمود أمين العالم، الآداب، يناير 1955.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت