فهرس الكتاب

الصفحة 156 من 242

تعوض غياب التقفية" [1] ، وإلا فإن غيابها دون تعويض -أيًا كان شكله- يفقد القصيدة قيمة بنائية تنقص من الكيان النصي المتماسك للقصيدة."

إن مبدأ تعويض القافية -إذا صح استخدامه هنا- يضع القصيدة أمام امتحان جديد تكتنفه صعوبات جمة، تقف في مقدمتها الصدمة التي يتعرض لها المتلقي بذائقة"ممرنة"على التفاعل مع نصوص شعرية للقافية دور ارتكازي واضح في تشكيلها، مما يستدعي إحلال بديل مقنع لن يخضع لاحتكام الذائقة حسب بل العقل أيضًا، إذ أن وعي المتلقي هو الذي يقوم بفحص البديل للإقرار به، وتمرين الذائقة مرة أخرى على تقبله. بمعنى أن التخلي عن القافية كما يرى اليوت"لا يعني النزوع إلى السهولة في صناعة الشعر بل العكس هو الواقع، إذ أن ذلك التخلي يفرض على اللغة مطالب عسيرة المنال. عندما يزول صدى القافية من الآذان يصير النجاح أو الإخفاق في اختيار الألفاظ وبناء العبارات وسائر نظام القصيدة أبرز للعيان. زوال القافية يضع الشاعر مباشرة وجهًا لوجه أمام مقاييس النثر" [2] ، وبذلك يقف الشعر أمام أكثر أشكال التحدي خطورة وهو"النثر"الذي يمثل النقيض التشكيلي له، فمقياس شعرية نص ما هو في ابتعاده أكثر عن منطقة النثر، والقصيدة التي تمثل القافية فيها الرهان الأكبر على استقلاليتها الشعرية عن النثر هي النقطة الأكثر بعدًا عن منطقة النثر.

وفقدان عنصر الرهان هذا إنما يعني -إذا أردنا الحفاظ على هذه الاستقلالية الشعرية- إقامة عنصر رهان جديد بديل. معنى هذا أن إلغاء القافية لا يعني كما قد يتصور بعضهم"توفير السبيل الأسهل للشعر، بل على العكس إنه يعني إيجاد شروط أدنى وأصعب إيجاد اللغة الشعرية المطلوبة، لغة الإيقاع والموسيقى الداخلية للقصيدة، وهذه اللغة الجديدة للشعر تقضي على التلهي بالاحتفال الموسيقي الخارجي لتنكب على البناء المحكم للقصيدة، بعد أن تتعطل ازدواجية الشكل والمضمون ليتحد الاثنان في وحدة عضوية متكاملة" [3] لا ينظر إليها على أساس العناصر المكونة، إنما ينظر إليها بوصفها وحدة قائمة على التماسك والتفاعل وتلاحم شبكة النسيج الداخلي المتكون من تداخل المستوى الإيقاعي

(1) النقد الأدبي وقضايا الشكل الموسيقي في الشعر الجديد: 148، وانظر: محمود أمين العالم، الآداب، يناير 1955.

(2) الشعر بين نقاد ثلاثة، منح خوري، دار الثقافة، ط 1، 1966، بيروت: 22.

(3) أمين ألبرت الريحاني، مدار الكلمة -دراسات نقدية- دار الكتاب اللبناني، بيروت، دار الكتاب المصري، القاهرة، ط 1، 1980: 183.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت