بالمستوى الدلالي، وهذا ما لا يستطيع الشاعر تحقيقه إذا غرق في احتفائه بالقافية وحدها إذ"سرعان ما يصبح عاجزًا عن متابعة معنى من المعاني إلى النهاية، فإذا شعره يقفز من معنى إلى معنى" [1] مضيعًا بذلك وحدة الدلالة المتماهية مع وحدة الإيقاع، لأن الإسراف في العناية بالقافية وإيلاءها أهمية قصوى تطغى فيها على عناصر البناء الفني الأخرى في القصيدة، قد يحقق كثافة موسيقية أعلى، لكن ليس لها"من جمال الواقع في الأذن ما للموسيقى الداخلية العميقة الثاوية في الإيقاع" [2] .
وحين يمكننا إدراك الثراء الموسيقي الذي يمكن أن تقدمه (الموسيقى الداخلية) المتمركزة في (الإيقاع) ، فإننا سنستطيع الفصل بين القافية المفتعلة التي لا تتم عن وعي شعري متقدم ويمكن أن نعدها زائدة ومنعكسة سلبيًا على القيم الشعرية للقصيدة، وبين القافية النابعة من صميم نظم البناء في القصيدة، ولا يمكننا فصلها عن القصيدة أو استبدالها لأنها من دونها تصبح شيئًا آخر.
ومن هنا يتعزز إيماننا بـ"أن التحرر من القافية قد يعني أيضًا تحريرًا للقافية" [3] بمعنى إنقاذها من السقوط في منطقة الفراغ الشعري، ومن كونها عبئًا على حيوات القصيدة.
الأصل في الاستخدام التقفوي إذن هو الضرورة أو عدمها، حسب طبيعة التجربة من جهة، وأدوات الشاعر وقدراته الإبداعية من جهة أخرى. المهم أن القافية لم تعد كما كانت"عنصر حسم رئيسًا في موسيقى القصيدة، فقد لا ينجح نمط معين من القصائد إلا باستخدام القافية، وقد لا ينجح نمط آخر إلا بعدم استخدامها" [4] .
ومن إمعان النظر في بعض قصائد الشعر الحديث يمكننا تعزيز هذه القناعة، وتحليل أهمية استخدام القافية في قصيدة ما بوصفها ضرورة، وتحليل أهمية غيابها في أخرى.
(1) جويو، مسائل فلسفة الفن المعاصر، ترجمة: سامي الدروبي، دار اليقظة العربية للتأليف والترجمة والنشر، ط 2، 1965، دمشق: 205.
(2) جويو، مسائل فلسفة الفن المعاصر، ترجمة: سامي الدروبي، دار اليقظة العربية للتأليف والترجمة والنشر، ط 2، 1965، دمشق: 202.
(3) ف. أ. ماثيسن، ت. س اليوت الشاعر والناقد، ترجمة: د. إحسان عباس، مؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر، 1965، بيروت- نيويورك: 183.
(4) محمد صابر عبيد، الآداب، العدد 4 - 6، 1990.