فهرس الكتاب

الصفحة 158 من 242

إن القصائد الحديثة التي تقوم في تشكيل بنيتها العامة على تقنية سردية، غالبًا ما تستغني في جزء كبير منها عن التقفية وذلك لأنها لا تعتمد على إشاعة حس غنائي يقتضي مولدات إيقاعية عالية التردد، ففي قصيدة"أجافيكم لأعرفكم"للشاعر صلاح عبد الصبور منحى حواري يبدأ من العنوان الذي بني على معادلة طباقية:

أنا شاعر ...

ولكن لي بظهر السوق أصحاب أخلاء

وأسمر بينهم بالليل أسقيهم ويسقوني

تطول بنا أحاديث الندامى حين يلقوني

على أني سأرجع في ظلام الليل حين يفض سامركم

وحين يغور نجم الشرق في بيت السما الأزرق

إلى بيتي

لأرقد في سماواتي

وحيدًا .. في سماواتي

وأحلم بالرجوع إليكم طلقًا وممتلئًا

بأنغامي .. وأبياتي

أجافيكم ... لأعرفكم [1]

تتألف هذه المعادلة الطباقية من طرف أول"أجافيكم"بما يحمله الفعل من دلالة"البعد"، وطرف ثان"أعرفكم"المرتبط بدلالة"القرب"ومن ثم يبدأ النص ومن أول مفردة بدخول الراوي العليم"أنا (شاعر"الذي يقوم بسرد الحالة الشعرية القائمة على وفق هذه الصياغة على التأمل والمحاورة.

ويستمر الراوي في الجزء الأول من القصيدة بتوصيف شخصي للحالة ينتهي بانتهاء القافية الأولى (يسقوني- يلقوني) ، التي جاءت ضرورية إلى حد ما وذلك بسبب انتقال الراوي من صيغة وصفية ذاتية مع"الغائب"بدلالة (أسمر بينهم- أسقيهم- يسقوني- يلقوني) ، إلى صيغة حوارية مع"الحاضر"بدلالة كاف المخاطب في (يفض سامركم- أحلم بالرجوع إليكم- أعرفكم) .

(1) ديوان صلاح عبد الصبور، دار العودة، ط 1، 1972، بيروت: 183 - 184.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت