يعيده. وهذا من شرط اتفاق المعنى الأول والثاني، فإن كان متحد الألفاظ والمعاني فالفائدة في إثباته تأكيد ذلك الأمر وتقريره في النفس وكذلك إذا كان المعنى متحدًا وإن كان اللفظان متفقين والمعنى مختلفًا، فالفائدة في الأتيان به الدلالة على المعنيين المختلفين )) [1] ، وحين يدخل التكرار في المجال الفني فإن قدرته على التأثير في هذا المجال تتجاوز هذه الفائدة، إذ يعمل على إنتاج فوائد جديدة داخل كيان العمل الفني ليتحد مفهومه في"الإتيان بعناصر متماثلة في مواضع مختلفة من العمل الفني، والتكرار هو أساس الإيقاع بجميع صوره، فنجده في الموسيقى بطبيعة الحال، كما نجده أساسًا لنظرية القافية في الشعر، وسر نجاح الكثير من المحسنات البديعية كما هي الحال في العكس، والتفريق والجمع مع التفريق ورد العجز على الصدر في علم البديع العربي" [2] وبهذا فإن وجوده لاسيما على الصعيد الشعري له أهميته الكبرى في عملية الإيقاع -ضروري وعضوي حتى ولو كان في أبسط مستوياته [3] .
غير أن طبيعة التجربة الفنية -ولاسيما الشعرية منها- هي التي تفرض وجودًا معينًا ومحددًا للتكرار، وهي التي تسهم في توجيه تأثيره وأدائه بالقدر الذي يجعل من القصيدة كيانًا فنيًا لنظام تكراري معين.
وربما بلغت ظاهرة التكرار في القصيدة العربية أقصى تأثير وحضور لها في القصيدة الحديثة، إذ أسهمت كثيرًا (( في تثبيت إيقاعها الداخلي وتسويغ الاتكاء عليه مرتكزًا صوتيًا يشعر الأذن بالانسجام والتوافق والقبول ) ) [4] .
كما أن هذا الانسجام قد تجاوز هذا البعد الإيقاعي في التأثير، متدخلًا حتى في تشكيل البنية الدلالية للقصيدة من خلال النظم المختلفة والمتباينة التي يمكن أن يأتي عليها التكرار، فهو (( يجيء على مستويات عديدة لا يمكن حصرها حصرًا كاملًا ) ) [5] ، نتيجة لارتباطه بقدرات الشعراء المستمرة على الابتكار والتجديد والتجريب بما يناسب طبيعة التجربة الشعرية ووحدتها.
من هنا يمكن القول إن البنية التكرارية في القصيدة الحديثة أصبحت تشكل
(1) معجم النقد العربي القديم، جـ 1، 370.
(2) معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب، 117 - 118.
(3) عضوية الموسيقى في النص الشعري، 59/ نقلًا عن:
(4) د. عبد الرضا علي، الإيقاع الداخلي في قصيدة الحرب، بحث مقدم إلى مهرجان المربد العاشر 1989/ 5.
(5) الإيقاع الداخلي في قصيدة الحرب: 5.