فالصفة الاختتامية التي تتميز بها القافية، سواء أكانت في البيت أم في الجملة الشعرية أو المقطع الشعري أو عموم القصيدة، لا يمكن لها أن تكتفي بدور الضابط الموسيقي المجرد، وإلا فإن القصيدة تفقد بذلك جزءًا مهمًا من حيويتها وقوة أدائها، إذ لابد لها أن تشترك اشتراكًا فاعلًا في التشكيل الدلالي كي تحتفظ بموقعها وتكتسب رصانة خارج إطار إمكانية استبدالها، بما يمكن أن يقابلها صوتيًا، ويحافظ فقط على الاتساق العام للقصيدة، لأن هذا الاتساق الذي تمتاز به القافية والذي يشبه اتساق الوزن"يخلق شعورًا بوحدة الإيقاع الموائمة لوحدة المعنى" [1] ، فثمة انسجام يجب أن يكون تامًا بين بنية الإيقاع وبنية الدلالة، إذ أن أية مفارقة بينهما تؤدي ضرورة إلى خلخلة وارتباك في التشكل العام لهيكل القصيدة ويفقدها تماسكها النصي.
من هنا يمكن تحديد القيمة الكبيرة التي تنطوي عليها القافية بوصفها شريكًا فاعلًا لا مكملًا تزيينيًا قابلًا للحذف، فهي حسب ما يقول جان كوهن"ليست أداة أو وسيلة تابعة لشيء آخر بل هي عامل مستقل، صورة تضاف إلى غيرها وهي كغيرها من الصور لا تظهر وظيفتها الحقيقة إلا في علاقتها بالمعنى" [2] . بمعنى أنها لا تكتسب قوة وجود وبقاء من دون النهوض بمهمة دلالية تؤكد وظيفتها في تشكيل النسيج الداخلي المكون للقصيدة.
وبما أن صلب وظائف القافية هو الربط بين أجزاء القصيدة وجعلها كيانًا مؤسسًا على تلاحم الوحدات المكونة، فإنها"تستلزم بالضرورة علاقة دلالية بين الوحدات التي ترتبط بها" [3] تنسجم وتتداخل مع العلاقة الإيقاعية المنجزة، وبذلك تحقق وظيفة ذات مستويين، المستوى الأول- الإيقاعي- وهو مستوى"خارجي"، والمستوى الثاني-الدلالي- وهو مستوى"داخلي"، وبالتحام هذين المستويين في مهمة مشتركة يتعزز دور القافية في بناء القصيدة.
وهذا الالتحام يتوجب أن يكون صميميًا نابعًا من أصالة التجربة ونضجها لا شكليًا مقحمًا مفتعلًا. فالعلاقة بين الفكرة التي تمثل محورًا أساسيًا من محاور تشكيل القصيدة وبين القافية، يجب أن تكون علاقة وثقى قائمة على التجانس
(1) د. صفاء خلوصي، فن التقطيع الشعري والقافية، منشورات مكتبة المثنى، ط 5، 1977، بغداد: 220.
(2) جان كوهن، بنية اللغة الشعرية: 74.
(3) ياكوبسن، قضايا الشعرية، ترجمة: محمد الولي ومبارك حنون، دار توبقال للنشر، ط 1، 1979، بيروت: 46.