وإن كان في أمور مادية في الذهن وفي الخارج فهو العلم الطبيعي.
وإن كان في أمور يصح تجردها عن الماديات في الذهن فقط، فهو العلم الرياضي، وعكس هذا القسم ممتنع لاستحالة تجرد شيء في الخارج دون الذهن.
وتنحصر العلوم الرياضية في أربعة علوم: الهندسة، والهيئة، والعدد، والموسيقى؛ لأن نظره إما أن يكون فيما يمكن أن يفرض فيه أجزاء تتلاقى على حد مشترك بينها أو لا، وكل واحد منهما إما قار الذات أولا، والأول الهندسة، والثاني الهيئة، والثالث العدد، والرابع الموسيقى.
والعلوم الحكمية تنقسم إلى: السياسة، والأخلاق، وتدبير المنزل، وذلك لأن اعتباره إما للأمور العامة فعلم السياسة، أو الأمور الخاصة فإما بالشخص وحده فعلم الأخلاق، أو مع خاصته فعلم تدبير المنزل، فهذه العلوم الأصلية وما عداها
فهي فرعية، فلنذكر هذه العلوم وفروعها على التفصيل بحسب غرض هذه الرسالة.
ونقدم مقدمة نبين بها العلم الأصلي والعلم الفرعي وغير ذلك فنقول:
تبين في كتاب البرهان أن كل علم حقيقي فلا بد لمه من موضوع ومبادئ ومسائل وغاية.
فالموضوع هو: الشيء الذي يبحث في ذلك العلم عن أحواله التي تعرض له إما لذاته أو لما يشتمل عليه أو لما يساويه.
ومتى كان الموضوع كليًّا فالعلم الناظر فيه أصلي، ومتى كان جزئيًّا فالعلم الناظر فيه فرعي، كالطب بالنسبة إلى العلم الطبيعي؛ فإن موضوع الطب بدن الإنسان من جهة ما يصح ويمرض وهو مندرج تحت موضوع العلم الطبيعي؛ لأنه ينظر في الأجسام مطلقًا ولواحقها، ونحن في هذه الرسالة نذكر موضوعات العلوم الكلية؛ لأن العلوم إنما تتمايز بموضوعاتها ويستغنى بذكرها عن الموضوعات الجزئية.
وأما المبادئ فهي إما تصورات وإما تصديقات لانحصار العلم فيهما، والتصورات هي الحدود التي تذكر للموضوع وأجزائه إن كان ذا أجزاء أو لأعراضه اللاحقة له.
والتصديقات منها واجبة القبول كالأوليات والاستبصاريات وتسمى أوضاعًا، ومنها غير واجبة القبول، لكنها تسلم في الوقت ويبرهن