دولة بين العباس وأسلمتها إلى الديلم لأني كاتبت الديلم وقت إنفاذي إلى أصبهان، وأطمعتهم في سرير الملك ببغداد، فإني اجتنيت ثمرة ذلك في حياتي".."
وكان لما ملك معز الدولة بغداد خلع الخليفة، ونهب الديلم دار الخلافة حتى لم يبق شيء، وأقام الفضل بن المقتدر العباسي خليفة، ولم يجعل له أمرًا ولا نهيًا ولا رأيا، ولا مكنه من إقامة وزير، بل صارت الوزارة إليه - أي لمعز الدولة بن بويه- يستوزر لنفسه وشنع على بني العباس بأنهم غصبوا الخلافة وأخذوها من مستحقيها وأراد معز الدولة إبطال دعوة بني العباس وإقامة دعوة المعز لدين الله الفاطمي .. وبعث نوابه فتسلموا العراق ولم يبق بيد الخليفة منه شيء البتة إلا ما أقطعه مما لا يقوم ببعض حاجته [1] .
وفي سنة 352 هـ أمر البويهيون بإغلاق الأسواق في اليوم العاشر من المحرم، وعطلوا البيع ونصبوا القباب في الأسواق، وعلقت عليها المسوح وخرج النساء منتشرات الشعور يلطمن في الأسواق، وأقيمت النائحة على الحسين بن عليّ، وتكرر ذلك طيلة حكم الديالمة ببغداد، والتي استمرت نحو مائة وثلاث سنين، وأصبحت هذه الفعلة تقليدًا دينيًا عند الجعفرية الإمامية الاثني عشرية، ولم يمكن لأهل السنة منع ذلك لكثرة الشيعة وظهورهم وكون السلطان معهم، وكذلك ابتدع معز الدولة بن بويه الاحتفال بعيد يقال له عيد الغدير، فأمر في العاشر من ذي الحجة بإظهار الزينة في بغداد، وأن تفتح الأسواق بالليل كما في الأعياد وأن تضرب الدبابات والبوقات وأن تشعل النيران في أبواب الأمراء وعند الشرط .. فكان وقتًا عجيبًا مشهودًا، وبدعة شنيعة ظاهرة ومنكرة [2] .
وفي هذه الآونة التي كان يلهو فيها الشيعة البويهيون ويلعبون ويضعفون سلطان السُّنة كان الروم ينتهكون حرم الديار الإسلامية.
قال ابن كثير -رحمه الله- وهو يتحدث عن أحد ملوك الروم في هذا العصر الذي فشت خيانات البويهيين فيه، واسمه نقفور، وجعل يصف الحال المزري الذي وصلت إليه الديار الإسلامية من الذلة والمهانة قال:
"كان هذا الملعون -أن نقفور الرومي- من أغلظ الملوك قلبًا وأشدهم كفرُا، وأقواهم بأسًا، وأحدَّهم شوكة، وأكثرهم قتلًا وقتالًا للمسلمين في زمانه، استحوذ في أيامه لعنه الله على كثير من السواحل، وأكثرها انتزعها من أيدي المسلمين قسرًا، واستمرت في يده قهرًا، وأضيفت إلى مملكة الروم قدرًا، وذلك لتقصير أهل ذلك الزمان، وظهور البدعة الشنيعة فيهم، وكثرة العصيان من الخاص والعام منهم، وفشوا البدع فيهم وكثرة الرفض والتشيع منهم، وقهر أهل السنة بينهم، فلهذا أديل عليهم أعداء الإسلام فانتزعوا ما بأيديهم من البلاد مع الخوف الشديد، ونكد"
(1) انظر السلوك لمعرفة دول الملوك (1/ 25 - 27) .
(2) البداية والنهاية (11/ 243) بتصريف.