أن وصلوا نصيبين ففعلوا ذلك ولم يغني عن تلك النواحي متوليها شيئًا، ولا دافع عنهم، ولا له قوة، فعند ذلك ذهب أهل الجزيرة إلى بغداد وأرادوا أن يدخلوا على الخليفة المطيع لله وغيره يستنصرونه ويستصرخونه، فرثى لهم أهل بغداد، وجاءوا معهم إلى الخليفة فلم يمكنهم ذلك، وكان بختيار بن معز الدولة البويهي - الشيعي الرافضي -مشغولًا بالصيد فذهبت الرسل إليه فبعث الحاجب يستنفر الناس، فتجهز خلق من العامة .. ولكن وقعت بينهم فتنة شديدة بين الروافض وأهل السنة، وأحرق أهل السنة دور الروافض في الكرخ وقالوا:
الشر كله منكم .. وأرسل بختيار البوهي إلى الخليفة يطلب منه أموالًا يستعين بها على هذا الغزوة فبعث إليه يقول: لو كان الخراج يجيء إلي لدفعت منه ما يحتاج المسلمون إليه - وذلك أن الخليفة كان في غاية الضعف- ولكن أن تصرف منه في وجوه ليس بالمسلمين إليها ضرورة، وأما أنا فليس عندي شيء أرسله إليك، فترددت الرسل بينهما وأغلظ بختيار للخليفة في الكلام وتهدده، فاحتاج الخليفة أن يحصل شيئًا فباع بعض ثياب بدنه وشيئًا من أثاث بيته ونقض بعض سقوف داره، وحصل له أربعمائة درهم فصرفها بختيار في مصالح نفسه وأبطل تلك الغزوة، فنقم الناس للخليفة، وساءهم ما فعل به ابن بويه الرافضي من أخذه مال الخليفة، وتركه الجهاد، فلا جزاه الله خيرًا .." [1] ."
قال ابن كثير -رحمه الله تعالى- في أحداث سنة 642 هـ:
"وفيها استوزر الخليفة المستعصم بالله مؤيد الدين أبا طالب محمد بن علي بن محمد العلقمي المشئوم على نفسه وعلى أهل بغداد الذي لم يعصم المستعصم في وزارته، فإنه لم يكن وزير صدق ولا مرضي الطريقة؛ فإنه هو الذي أعان على المسلمين في قضية هولاكو قبحه الله وإياهم" [2] .
وقال ابن كثير أيضًا في أحداث 656 هـ والتي جاء فيها الطوفان التتاري إلى بغداد دار الخلافة العباسية:
"استهلت هذه السنة وجنود التتار قد نازلت بغداد صحبة الأميرين اللذين على مقدمة عساكر سلطان التتار هولاكو خان وجاءت إليهم أمداد صاحب الموصل يساعدونهم على البغاددة وميرته وهداياه وتحفه، وكل ذلك خوفًا على نفسه من التتار، ومصانعة لهم قبحهم الله تعالى .. وأحاطت التتار بدار الخلافة يرشقونها بالنبال من كل جانب .."
وكان قدوم هولاكو خان بجنوده كلها، وكانوا نحو مائتي ألف مقاتل .. وهو شديد الحنق على الخليفة بسبب .. أن هولاكو خان لما كان أول بروزه من همدان متوجهًا إلى العراق أشار الوزير مؤيد الدين محمد بن العلقمي على
(1) البداية والنهاية (11/ 271، 272) بتصريف يسير.
(2) البداية والنهاية (13/ 164) .