في الأحداث التاريخية في صدر الإسلام وردت لفظ الشيعة بمعناها اللغوي الصرف، وهو المناصرة والمتابعة، بل إننا نجد في وثيقة التحكيم بين الخليفة علي، ومعاوية- رضي الله عنهما- ورود لفظ الشيعة بهذا المعنى، حيث أطلق على أتباع علي شيعة، كما أطلق على أتباع معاوية شيعة، ولم يختص لفظ الشيعة بأتباع عليّ.
ومما جاء في صحيفة التحكيم:"هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب، ومعاوية بن أبي سفيان، وشيعتهما .. (ومنها) : وأن عليًا وشيعته رضوا بعبد الله بن قيس، ورضي معاوية وشيعته بعمرو بن العاص .."
فعلى هذا يكون التعريف للشيعة في الصدر الأول: أنهم الذين يقدمون عليًا على عثمان فقط، وهم وإن سموا بالشيعة فهم من أهل السنة؛ لأن مسألة عثمان وعلي ... ليست من الأصول التي يضلل المخالف فيها، لكن المسألة التي يضلل فيها مسألة الخلافة .. وقد كان بعض أهل السنة اختلفوا في عثمان وعلي- رضي الله عنهما- بعد اتفاقهم على تقديم أبي بكر وعمر -أيهما أفضل-: فقدم قوم عثمان، وسكتوا، أو ربعوا بعلي، وقدم قوم عليًا، وقوم توقفوا، لكن استقر أمر أهل السنة على تقديم عثمان [1] .
ولهذا ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن: الشيعة الأولى كانوا على عهد علي كانوا يفضلون أبا بكر وعمر [2] .
وقد منع شريك بن عبد الله -وهو ممن يوصف بالتشيع- إطلاق اسم التشيع على من يفضل عليًا على أبي بكر وعمر؛ وذلك لمخالفته لما تواتر عن علي في ذلك، والتشيع يعني المناصرة والمتابعة لا المخالفة والمنابذة.
وذكر صاحب مختصر التحفة: إن الذين كانوا في وقت خلافة الأمير رضي الله عنه من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، كلهم عرفوا له حقه، وأحلوه من الفضل محله، ولم ينتقصوا أحدًا من إخوانه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فضلًا عن إكفاره وسبه [3] .
ولكن لم يظل التشيع بهذا النقاء والصفاء، والسلامة والسمو .. بل إن مبدأ التشيع تغير، فأصبحت الشيعة شيعًا، وصار التشيع قناعًا يتستر به كل من أراد الكيد للإسلام والمسلمين من الأعداء الموتورين الحاسدين .. ولهذا نرى بعض الأئمة لا يسمون الطاعنين بالشيخين بالشيعة، بل يسمونهم الرافضة، لأنهم لا يستحقون وصف التشيع.
ومن عرف التطور العقدي لطائفة الشيعة لا يستغرب وجود طائفة من أعلام المحدثين، وغير المحدثين من العلماء الأعلام، أطلق عليهم لقب الشيعة، وقد يكونون من أعلام السنة، لأن للتشيع في زمن السلف مفهومًا وتعريفًا غير المفهوم والتعريف المتأخر للشيعة، ولهذا قال الإمام الذهبي في معرض الحديث عمن رمي ببدعة
(1) - انظر: مجموعة فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: 3/ 153، ابن حجر/ فتح الباري: 7/ 34.
(2) - منهاج السنة: 2/ 60 (تحقيق د. محمد رشاد سالم) .
(3) - مختصر التحفة الاثني عشرية ص: 3.