الملقب برئيس الرؤساء وعليه جبة صوف، وطرطور من لبد أحمر، وفي رقبته مخنقة، وأركب جملًا أحمر وطيف به البلد وخلفه من يصفعه بقطعة من جلد، وحين مر على الكرخ -دور الرافضة- نثروا عليه خلقان المداسات، وبصقوا في وجهه، ولعنوه وسبوه .. ثم لما فرغوا من التطوف به جيء به إلى المعسكر؛ فألبس جلد ثور بقرنيه وعلق بكلوب في شدقيه، ورفع إلى الخشبة فجعل يضرب إلى آخر النهار؛ فمات رحمه الله وكان آخر كلامه"الحمد الله الذي أحياني سعيدًا، وأماتني شهيدًا" [1] .
وقد أصبحت بلاد الشام مسرحًا للمنازعات بين السلاجقة"الذين هم من أهل السنة"والفاطميين"الشيعة"مما أدى إلى تفكك وحدة المسلمين ومهد الطريق أمام الصليبين لغزو بلاد الشام في يسر وسهولة، حيث وصلوا إلى أطرافها في سنة 490 هـ.
وتبرز هنا خيانات الفاطميين فقد أرسل بدر الجمالي وزير المستعلي -الفاطمي الشيعي- سنة 490 هـ سفارة من قبله إلى قادة الحملة الصليبية الأولى تحمل عرضًا خلاصته أن يتعاون الطرفان للقضاء على السلاجقة في بلاد الشام، وأن تقسم البلاد بينهما بحيث يكون القسم الشمالي من الشام للصليبيين في حين يحتفظ الفاطميون بفلسطين.
ولما كان هدف الصليبيين هو السيطرة على بيت المقدس فقد كان ردهم غامضًا واكتفوا ببث شعور الطمأنينة في نفوس الفاطميين واكتشفوا بذلك ضعف المسلمين وتفككهم.
ولما قام الأمير"كربوق"صاحب الموصل - من قبل السلاجقة بتجهيز قوة لمنع سقوط أنطاكية بيد الصليبيين وقف الفاطميون موقف المتفرج، ولم يكتفوا بذلك بل استغلوا هذه الفرصة فسيروا جيشًا إلى بيت المقدس الذي كان بيد السلاجقة وحاصروه، ونصبوا عليه أكثر من أربعين منجنيقًا حتى تهدمت أسواره وسيطروا عليه [2] .
واستغل زعماء الشيعة الإسماعيلية الخلاف بين بعض السلاطين السلاجقة في نحو سنة 488 هـ، وتقربوا من رضوان بن تاج الدولة تتش الذي كان على بلاد الشام، وحصلوا عنده على مكانة مرموقة فتشيع لآرائهم، ولم يعبأ بما أحرزه الصليبيون من انتصارات واستيلاء على بعض بلاد الإسلام في آسيا الصغرى [3] فقد استولوا على أنطاكية سنة 491 هـ ثم سيطروا على المعرة عام 492 هـ ثم واصلوا سيرهم إلى جبل لبنان؛ فقتلوا من به من المسلمين، ثم نزلوا إلى حمص فهادنهم صاحبها على مال يدفعه.
قال ابن كثير رحمه الله:
(1) البداية والنهاية (12/ 76 - 79) بتصرف وإيجاز.
(2) د/ أنس أحمد كرزون: نور الدين محمود زنكي القائد المجاهد (9 - 11) بتصرف - دار ابن حزم - بيروت 1995 م.
(3) انظر: مسفر الغامدي: الجهاد ضد الصليبيين (ص 51) نقلًا عن زبدة الحلب (2/ 145) .