أسكت عنه، فقال هشام: بل أجب. قال: إن الأمهات لا يقعدن بالرجال عن الغايات، وقد كانت أم إسماعيل أمة لأم إسحاق، فلم يمنعه ذلك أن يبعثه الله نبيًا، وجعله سبحانه تعالى للعرب أبًا، فأخرج من صلبه خير البشر"محمدًا"، فتقول لي هذا وأنا ابن فاطمة وابن علي" [1] ."
تراكمت المواقف والحوادث على الإمام زيد مما دفعه إلى الخروج على هشام بن عبد الملك وبايع أهل الكوفة وأمرهم بالخروج والتأهب فعلم بذلك هشام بن عبد الملك فأرسل إلى نائبه في العراق قائلًا له:"إنك لغافل، وإن زيدًا بن علي غارز ذنبه بالكوفة يبايع له، فألح في طلبه وأعطه الأمان، وإن لم يقبل فقاتله" [2] .
وعندما وقع الجَدُّ وعلمت الشيعة بطلب هشام له اجتمعوا به وأرادوا أن يجدوا لهم مفرًا من البيعة فقالوا له:"ما قولك- يرحمك الله- في أبي بكر وعمر؟ فقال غفر الله لهما، ما سمعت أحدًا من أهل بيتي تبرأ منهما، وأنا لا أقول فيهما إلا خيرًا ... فرفضوه وانصرفوا عنه ونقضوا بيعته وتركوه" [3] .
إن موقف أهل الكوفة من الإمام زيد وتراجعهم عند المعركة أدى إلى وقوف عدد قليل معه قاتل بهم حتى أصيب بسهم في جبهته أدى إلى وفاته وهزيمة أتباعه سنة 122 ه، وكان مع زيد في هذه المعارك ابنه يحيى الذي استطاع الفرار إلى خراسان، ولكن جيوش الأمويين طاردته حتى قتل بعد ثلاث سنوات من مقتل أبيه عام 125 ه- [4] .
ورغم هذه النهاية المريرة لزيد وابنه فقد استمر الزيدية في الخروج، فخرج محمد بن عبد الله بن الحسن بن علي المعروف بالنفس الزكية بالمدينة ضد بني العباس وقتل في 14 رمضان سنة 145 ه، كما خرج من بعده أخوه إبراهيم بالبصرة وقتل بها في 25 ذي القعدة عام 145 ه، كما استطاع أحد أئمة الزيدية ويسمى الحسن بن زيد، ويلقب بالحسن الأطروش أن يؤسس دولة زيدية في أرض الديلم جنوب بحر الخزر عام 250 هـ.
كما استطاع الزيدية أيضًا إقامة دولة لهم في اليمن أقامها الهادي إلى الحق يحبي بن الحسين من ولد القاسم الرسي حفيد إبراهيم بن الحسن بن علي بن أبي طالب، حيث ذهب الهادي إلى اليمن عام 284 فبويع بالإمامة وسعى إلى إقامة حكم إسلامي، كما وسعى إلى جمع شمل الناس على كتاب الله وسنة رسوله ودخل في حروب
(1) مقالات الإسلاميين 1/ 136 الحاشية، دراسة عن الفرق، ص 82، والفرق والمذاهب القديمة والمعاصرة، ص 198، تاريخ المذاهب الإسلامية، ص 44.
(2) البداية والنهاية: لابن كثير 9/ 331.
(3) البداية والنهاية 9/ 329 - 330.
(4) انظر: المصدر السابق، 9/ 330 - 10/ 5.