فهرس الكتاب

الصفحة 140 من 306

مُقَابَلَة ذَلِكَ مَا شَاءَ (قَالَ فَقَالَ لَهُمَا الْحَسَن بْن عَلِيّ: إِنَّا بَنُو عَبْد الْمُطَّلِب قَدْ أَصَبْنَا مِنْ هَذَا الْمَال، وَإِنَّ هَذِهِ الْأُمَّة قَدْ عَاثَتْ فِي دِمَائِهَا، قَالَا فَإِنَّهُ يَعْرِض عَلَيْك كَذَا وَكَذَا وَيَطْلُب إِلَيْك وَيَسْأَلك، قَالَ فَمَنْ لِي بِهَذَا؟ قَالَا: نَحْنُ لَك بِهِ فَمَا سَأَلَهُمَا شَيْئًا إِلَّا قَالَا نَحْنُ لَك بِهِ، فَصَالَحَهُ) .

قَالَ اِبْن بَطَّال: هَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ مُعَاوِيَة كَانَ هُوَ الرَّاغِب فِي الصُّلْح وَأَنَّهُ عَرَضَ عَلَى الْحَسَن الْمَال وَرَغَّبَهُ فِيهِ وَحَثَّهُ عَلَى رَفْع السَّيْف وَذَكَّرَهُ مَا وَعَدَهُ بِهِ جَدّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ سِيَادَته فِي الْإِصْلَاح بِهِ، فَقَالَ لَهُ الْحَسَن: إِنَّا بَنُو عَبْد الْمُطَّلِب أَصَبْنَا مِنْ هَذَا الْمَال، أَيْ إِنَّا جُبِلْنَا عَلَى الْكَرَم وَالتَّوْسِعَة عَلَى أَتْبَاعنَا مِنْ الْأَهْل وَالْمَوَالِي وَكُنَّا نَتَمَكَّن مِنْ ذَلِكَ بِالْخِلَافَةِ حَتَّى صَارَ ذَلِكَ لَنَا عَادَة وَقَوْله إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّة أَيْ الْعَسْكَرَيْنِ الشَّامِيّ وَالْعِرَاقِيّ"قَدْ عَاثَتْ"بِالْمُثَلَّثَةِ أَيْ: قَتَلَ بَعْضهَا بَعْضًا فَلَا يَكُفُّونَ عَنْ ذَلِكَ إِلَّا بِالصَّفْحِ عَمَّا مَضَى مِنْهُمْ وَالتَّأَلُّف بِالْمَالِ. وَأَرَادَ الْحَسَن بِذَلِكَ كُلّه تَسْكِين الْفِتْنَة وَتَفْرِقَة الْمَال عَلَى مَنْ لَا يُرْضِيه إِلَّا الْمَال، فَوَافَقَاهُ عَلَى مَا شَرَطَ مِنْ جَمِيع ذَلِكَ وَالْتَزَمَا لَهُ مِنْ الْمَال فِي كُلّ عَام وَالثِّيَاب وَالْأَقْوَات مَا يَحْتَاج إِلَيْهِ لِكُلِّ مَنْ ذُكِرَ. وَقَوْله"مَنْ لِي بِهَذَا"أَيْ مَنْ يَضْمَن لِي الْوَفَاء مِنْ مُعَاوِيَة؟ فَقَالَا: نَحْنُ نَضْمَن لِأَنَّ مُعَاوِيَة كَانَ فَوَّضَ لَهُمَا ذَلِكَ، وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون قَوْله"أَصَبْنَا مِنْ هَذَا الْمَال"أَيْ فَرَّقْنَا مِنْهُ فِي حَيَاة عَلِيّ وَبَعْدَهُ مَا رَأَيْنَا فِي ذَلِكَ صَلَاحًا فَنَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ خَشْيَة أَنْ يَرْجِع عَلَيْهِ بِمَا تَصَرَّفَ فِيهِ. وَفِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل بْن رَاشِد عِنْدَ الطَّبَرِيِّ"فَبَعَثَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَة عَبْد اللَّه بْن عَامِر وَعَبْد اللَّه بْن سَمُرَة بْن حَبِيب"كَذَا قَالَ عَبْد اللَّه وَكَذَا وَقَعَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ، وَاَلَّذِي فِي الصَّحِيح أَصَحّ، وَلَعَلَّ عَبْد اللَّه كَانَ مَعَ أَخِيهِ عَبْد الرَّحْمَن، قَالَ فَقَدِمَا عَلَى الْحَسَن بِالْمَدَائِنِ فَأَعْطَيَاهُ مَا أَرَادَ وَصَالَحَاهُ عَلَى أَنْ يَأْخُذ مِنْ بَيْت مَال الْكُوفَة خَمْسَة آلَاف أَلْف فِي أَشْيَاء اِشْتَرَطَهَا. وَمِنْ طَرِيق عَوَانَة بْن الْحَكَم نَحْوه وَزَادَ وَكَانَ الْحَسَن صَالَحَ مُعَاوِيَة عَلَى أَنْ يَجْعَل لَهُ مَا فِي بَيْت مَال الْكُوفَة وَأَنْ يَكُون لَهُ خَرَاج دار أبجرد، وَذَكَرَ مُحَمَّد بْن قُدَامَةَ فِي"كِتَاب الْخَوَارِج"بِسَنَدٍ قَوِيّ إِلَى أَبِي بَصْرَة أَنَّهُ سَمِعَ الْحَسَن بْن عَلِيّ يَقُول فِي خُطْبَته عِنْدَ مُعَاوِيَة إِنِّي اِشْتَرَطْت عَلَى مُعَاوِيَة لِنَفْسِي الْخِلَافَة بَعْدَهُ. وَأَخْرَجَ يَعْقُوب بْن سُفْيَان بِسَنَدٍ صَحِيح إِلَى الزُّهْرِيّ قَالَ: كَاتَبَ الْحَسَن بْن عَلِيّ مُعَاوِيَة وَاشْتَرَطَ لِنَفْسِهِ فَوَصَلَتْ الصَّحِيفَة لِمُعَاوِيَةَ وَقَدْ أَرْسَلَ إِلَى الْحَسَن يَسْأَلهُ الصُّلْح وَمَعَ الرَّسُول صَحِيفَة بَيْضَاء مَخْتُوم عَلَى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت