فهرس الكتاب
عَبْد الْمَلِك عَنْ الْحَسَن كَالْأَوَّلِ لَكِنَّهُ قَالَ"وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يُصْلِح اللَّه بِهِ"وَجَزَمَ فِي حَدِيث جَابِر وَلَفْظه عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ وَالْبَيْهَقِيِّ"قَالَ لِلْحَسَنِ: إِنَّ اِبْنِي هَذَا سَيِّد يُصْلِح اللَّه بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ"قَالَ الْبَزَّار: رَوَى هَذَا الْحَدِيث عَنْ أَبِي بَكْرَة وَعَنْ جَابِر، وَحَدِيث أَبِي بَكْرَة أَشْهَر وَأَحْسَن إِسْنَادًا، وَحَدِيث جَابِر غَرِيب. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: اُخْتُلِفَ عَلَى الْحَسَن فَقِيلَ عَنْهُ عَنْ أُمّ سَلَمَة، وَقِيلَ عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ أَيُّوب عَنْ الْحَسَن، وَكُلّ مِنْهُمَا وَهْم. وَرَوَاهُ دَاوُدُ بْن أَبِي هِنْد وَعَوْف الْأَعْرَابِيّ عَنْ الْحَسَن مُرْسَلًا. وَفِي هَذِهِ الْقِصَّة مِنْ الْفَوَائِد عَلَم مِنْ أَعْلَام النُّبُوَّة، وَمَنْقَبَة لِلْحَسَنِ بْن عَلِيّ فَإِنَّهُ تَرَكَ الْمُلْك لَا لِقِلَّةٍ وَلَا لِذِلَّةٍ وَلَا لِعِلَّةٍ بَلْ لِرَغْبَتِهِ فِيمَا عِنْدَ اللَّه لِمَا رَآهُ مِنْ حَقْن دِمَاء الْمُسْلِمِينَ، فَرَاعَى أَمْر الدِّين وَمَصْلَحَة الْأُمَّة. وَفِيهَا رَدّ عَلَى الْخَوَارِج الَّذِينَ كَانُوا يُكَفِّرُونَ عَلِيًّا وَمَنْ مَعَهُ وَمُعَاوِيَة وَمَنْ مَعَهُ بِشَهَادَةِ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - لِلطَّائِفَتَيْنِ بِأَنَّهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَمِنْ ثَمَّ كَانَ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ يَقُول عَقِبَ هَذَا الْحَدِيث: قَوْله"مِنْ الْمُسْلِمِينَ"يُعْجِبنَا جِدًّا أَخْرَجَهُ يَعْقُوب بْن سُفْيَان فِي تَارِيخه عَنْ الْحُمَيْدِيِّ وَسَعِيد بْن مَنْصُور عَنْهُ. وَفِيهِ فَضِيلَة الْإِصْلَاح بَيْنَ النَّاس وَلَا سِيَّمَا فِي حَقْن دِمَاء الْمُسْلِمِينَ، وَدَلَالَة عَلَى رَأْفَة مُعَاوِيَة بِالرَّعِيَّةِ، وَشَفَقَته عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَقُوَّة نَظَره فِي تَدْبِير الْمُلْك، وَنَظَره فِي الْعَوَاقِب. وَفِيهِ وِلَايَة الْمَفْضُول الْخِلَافَة مَعَ وُجُود الْأَفْضَل لِأَنَّ الْحَسَن وَمُعَاوِيَة وُلِّيَ كُلّ مِنْهُمَا الْخِلَافَة وَسَعْد بْن أَبِي وَقَّاص وَسَعِيد بْن زَيْد فِي الْحَيَاة وَهُمَا بَدْرِيَّانِ قَالَهُ اِبْن التِّين. وَفِيهِ جَوَاز خَلْع الْخَلِيفَة نَفْسه إِذَا رَأَى فِي ذَلِكَ صَلَاحًا لِلْمُسْلِمِينَ وَالنُّزُول عَنْ الْوَظَائِف الدِّينِيَّة وَالدُّنْيَوِيَّة بِالْمَالِ، وَجَوَاز أَخْذ الْمَال عَلَى ذَلِكَ وَإِعْطَائِهِ بَعْدَ اِسْتِيفَاء شَرَائِطه بِأَنْ يَكُون الْمَنْزُول لَهُ أَوْلَى مِنْ النَّازِل وَأَنْ يَكُون الْمَبْذُول مِنْ مَال الْبَاذِل. فَإِنْ كَانَ فِي وِلَايَة عَامَّة وَكَانَ الْمَبْذُول مِنْ بَيْت الْمَال اُشْتُرِطَ أَنْ تَكُون الْمَصْلَحَة فِي ذَلِكَ عَامَّة، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ اِبْن بَطَّال قَالَ: يُشْتَرَط أَنْ يَكُون لِكُلٍّ مِنْ الْبَاذِل وَالْمَبْذُول لَهُ سَبَب فِي الْوِلَايَة يَسْتَنِد إِلَيْهِ، وَعَقْد مِنْ الْأُمُور يُعَوَّل عَلَيْهِ. وَفِيهِ أَنَّ السِّيَادَة لَا تَخْتَصّ بِالْأَفْضَلِ بَلْ هُوَ الرَّئِيس عَلَى الْقَوْم وَالْجَمْع سَادَة، وَهُوَ مُشْتَقّ مِنْ السُّؤْدُد وَقِيلَ مِنْ السَّوَاد لِكَوْنِهِ يَرْأَس عَلَى السَّوَاد الْعَظِيم مِنْ النَّاس أَيْ الْأَشْخَاص الْكَثِيرَة وَقَالَ الْمُهَلَّب الْحَدِيث دَالّ عَلَى أَنَّ السِّيَادَة إِنَّمَا يَسْتَحِقّهَا مَنْ يَنْتَفِع بِهِ النَّاس، لِكَوْنِهِ عَلَّقَ السِّيَادَة بِالْإِصْلَاحِ. وَفِيهِ إِطْلَاق الِابْن عَلَى اِبْن الْبِنْت، وَقَدْ اِنْعَقَدَ الْإِجْمَاع عَلَى أَنَّ اِمْرَأَة الْجَدّ وَالِد الْأُمّ مُحَرَّمَة عَلَى اِبْن بِنْته،